ولقد ارتبطت معظم الأحداث الشعبية والمليشيات بالباب الصغير.. وحتى ما قبل ثلاثين عامًا ظلت الأحياء القديمة كالشاغور والميدان لها رجالها وزعماؤها وشجعانها وحماتها..
بل أكثر من ذلك.. وبعد المظاهرات في حي الميدان والشاغور والصالحية في العصر المملوكي كانت تقام استعراضات عسكرية للحرافيش.
بل أكثر من ذلك.. فإن المقاومة الحقيقية للافرنسيين والانكليز.. انطلقت من تلك الحارات الضيقة المتعرجة الغامضة.. من دمشق الحقيقية.. من أبواب دمشق الحقيقية.. من دمشق الغريقة في المسك والقناديل والليمون والفل..
يا دمشق الفل.. أما زلت ترحبين؟؟
أما زلت تذكرين؟.
كيف هرب مساجينك أيام العثمانيين في الفتنة التي ذكرتها.. هربوا من الباب الصغير!. من هرّبهم؟..
حماهم زعماء الأحياء.. ومن زقاق إلى زقاق.. من بيت إلى بيت.. وصلوا إلى الباب الصغير ثم هربوا إلى الغوطة.. ومنها إلى العالم الواسع..
يروي الباب الصغير حادثة غريبة وقعت خلال الحملة الصليبية الثانية على دمشق..
قال الباب:
كنت مغلقًا.. مصفحًا بالحديد.. شأن كل أبواب دمشق التي تختلف عن أبواب القاهرة المغلفة بالجلد.. ترامى إلي أن الصليبيين أصبحوا على عتبات الأبواب.. وأن الفقيه المالكي عبد الرحمن الحلحولي قد استشهد في ربوة بردى..
مالت الشمس إلى الغروب.. أقبل الليل.. أقبل الصمت..
طلب المتعب راحته.
عاد كل إلى مكانه ورقد.. نامت الجند والناس.
أهل دمشق ورجالها كانوا على الأسوار كلها.. وكانوا قريبين مني..
العدو كان قريبًا جدًا.. في منطقة القنوات.
وصلت المعونات.. رأيتها أنا الباب الصغير الخالد.. ورشق العدو بالنشاب والأحجار والسهام النارية.. ولم يظهر أحد من عساكر دمشق.. كانت الأمور تجري في السر.. رجل يصطاد رجلًا.. حتى ظن بالمكيدة.
وقد سمعت وصفًا لما جرى آخر أيام حصار الصليبيين.