لم يقدر نائبا المدينتين قوة هذا القادم الأصفر.. فاعتصم أهل الشام وجيش الشام في المدينة.. وأغلقت أبوابها تجاه العسكر الأصفر المؤلف من: رجال آسيا رجال توران. وأبطال إيران. ونمور تركستان. وفهود الخشان. وصقور الدشت والخطا ونسور المغول. وكواسر الجثا. وأفاعي خجند. وثعابين ايدكان. وهوام خوارزم. وجوارح جرجان. وعقبان صفانيان. وضواري حصار شادمان. وفوارس فارس. وأسود خراسان.. الخ.
غلطة ارتكبها نائب دمشق المغرور بالسلطان.. قضت على أعظم مدينة في الأرض...
في أول وقعة قتل من عسكر تيمورلنك ألفان.. فأرسل تيمورلنك يطلب من أعيان دمشق رجلًا من عقلائهم.. للصلح. فلما وصلت الرسالة اشتّور أهل دمشق واختاروا (القاضي تقي الدين بن مصلح الحنبلي) فلقد كان إنسانًا طلق اللسان يعرف بالتركية وبالأعجمية.
أرخوه من أعلى السور بسرياق ضخم ومعه خمسة أنفس.. فلما رجعوا بعد ساعة أخبروا الجماعة بتلطف تيمورلنك. وبعزوفه عن القتال (قتال دمشق) لأنها بلد الأنبياء وشرح الحنبلي محاسن تيمورلنك. فانقسم أهل البلد إلى قسمين، قسم راغب بالقتال وقسم راغب عنه.. وكان أكثر أهل البلد يرون مخالفة الحنبلي.. لكن رأيه غلب في النهاية فأراد أن يفتح باب النصر فمنعه من ذلك نائب قلعة دمشق وقال:
تحرق البلدة إذا فتحنا الباب..
زاد تيمورلنك من خبثه ودهائه.. وطلب (الطقزات) وهي عبارة عن تسعة أصناف يطلبها إذا أراد الدخول صلحًا إلى مدينة ما.. من مأكول ومشروب وملبس.
أقنع ابن مفلح الناس فأرسلوا إليه ما طلب.
بعد ذلك طلب مالًا.. فدفعه أهل دمشق الأغنياء.
لم يكتف.. طلب أكثر.. فدفع أهل دمشق.. عاد فطلب أكثر..
وابن مفلح يروح ويجيء..
طلب منهم الأسلحة فرموها..
حتى أدرك أن أهل دمشق قد فرغوا من كل شيء.. هدهم الخوف.
عندئذ.. طلب تيمورلنك من ابن مفلح أن يرسم له أحياء دمشق وحاراتها.. فاضطر ابن مفلح إلى رسمها.. عندئذ قسم تيمورلنك المدينة.