والواقع أن هذه العلوم والفنون قد أخذت تتداول وتنتقل من جيل إلى جيل حتى وصلت إلينا بحالتها الراهنة وتمتعت بخيرها الأمم والأفراد، فالإنسان بطريق العلم يستطيع أن يستفيد من فوائده ويعمل بها ويطبقها على نفسه ويأخذ بتجاربها وآثارها في الحياة بعزم وتصميم حتى يصل إلى ما يريد وتلك هي الغاية الرئيسية المتوخاة من العلم، فقد سئل المهلب بن قيس بم سدت قومك؟ قال بالعلم، قيل له أن غيرك قد علم أكثر مما علمت ولم يبلغ ما بلغت قال: ذلك علم حُمل وهذا علم استعمل.
وعلى هذا يجب أن يستفيد العالم من علمه بتنمية شخصيته وتوجيه سلوكه وإدراكه نحو طريق علمي صحيح مستفيدًا من تجارب العلم ومن خبرات المجتمع التي يوجهها ذلك العلم، فالفنون هي التطبيق العملي للعلم وقد رأينا كثيرًا من العلماء والمتعلمين قد حصلوا على درجات علمية عالية ولكنهم لم يستطيعوا النجاح في الحياة وكانت شخصياتهم ضعيفة خاملة، وما ذلك إلا لأنهم لم يحسنوا الاستفادة من علمهم وربما زهدوا فيه، وأدى بهم الأمر إلى فقدان الثقة بأنفسهم وضعف نفوسهم وخور هممهم، فهم بذلك قد ضربوا مثلًا سيئًا في عدم انطباع نفوسهم بما تعلموه وهذا الوضع من أشد الأمور الخطيرة والمشاكل الحادثة التي تعترض العلماء والمتعلمين وتزري بهم في المجتمع فما أجدرنا بدراستها والعناية بها لنحذر من الوقوع بها والتردي في مساوئها.
وقد عبر بعض المفكرين المسلمين عن رأيهم في وظيفة العلم وأثره في تحقيق السعادة الأبدية بجوار الخالق سواء أكان ذلك العلم الديني أم العلوم الدنيوية، فصرحوا وأكدوا أن كل علم لا يساعد على تحقيق هذا الغرض ولا يحث صاحبه على العمل للدار الآخرة يؤاخذ عليه يوم القيامة.