وإذا ما اعتبرنا أن المقصود بقدومه أيام المتوكل لا يعني أنه جاء في بداية عهد هذا الخليفة الذي كانت فترة خلافته: (232هـ-247هـ) ، فإن الشاعر، كما نرى، عاش في بغداد عشر سنوات أو أكثر أو أقل بقليل قبل أن يتوفى فيها، على الأكثر. إذ ليست هناك إشارة صريحة إلى مكان وفاته، باستثناء ما جاء في هامش من كتاب (الفاضل في صفة الأدب الكامل) ، حيث ذكر محققه يوسف يعقوب مسكوني أنه توفي في بغداد، ولا أدري من أين استقى معلومته هذه. ولكن هكذا يفهم من سياق الأخبار التي تتحدث عنه. كما أنه ليس هناك ما يشير إلى تلك الفترة من حياته في مصر وسبب خروجه منها إلى مدينة السلام، ولكن ربما كان قد غادر مصر في الجيوش الذاهبة للغزو والجهاد ثم استقر في بغداد لسبب ما، كما هو مفهوم من تذكير أحدهم للشاعر بالغزو والجهاد. فقد ذكر حبيب بن أوس (14) أنه كان في غرفة له على شاطئ دجلة عندما شاهد غلامًا يلقي بنفسه في دجلة يسبح فيها"وإذا ماني الموسوس يرمقه ببصره، فلما خرج من الماء، قال:"
خمش الماء جلده الرطب حتى
قلت له: لعنك الله يا ماني! أبَعد الجهاد والغزو تخمش غلامًا قد بات مؤاجرًا في الحمامات؟"! ... تغنيك عن سلِّ السيوف"
ونحن نجهل أيضًا الوضع العائلي للشاعر، والمورد الذي اعتمد عليه في معيشته قبل أن يعين له محمد عبد الله بن طاهر، بعد توليه شرطة بغداد سنة 237هـ، معاشًا مدى حياته. فالمعروف أنه لم يتكسب بشعره ولا عُرفت له صنعة يعيش منها أو كان لديه مال حمله معه من مصر. ولكنه كان، كما يبدو من أخباره، يكتفي بالقليل من مقومات الحياة، فلا يكلفه ذلك شيئًا. وكانت الهبات التي يحصل عليها أحيانًا كافية لسد متطلبات معيشته المتواضعة المقترنة بقناعة وإباء فيه. فقد"وقف يومًا على أبي دلف، القائد العباسي المعروف، فأنشده:"
كرَّات عينك في العدا