ومن ثم ملأ المعز كثيرًا من موانئ الشام الهامة، مثل صور عكا وعسقلان، بالسفن الكثيرة المختلفة الأنواع وأهمها الشلنديات (38) والشواني (39) الحربية والمسطحات (40) والطرادات (41) والعشاريات (42) والحراقات (43) . وقد رأينا موقف أسطول المعز من صور وسواها في حروبه مع الروم، كما رأينا كيف اتخذ جوهر من عكا وعسقلان مستودعات للإمدادات التي كانت تتدفق على جيوش الفاطميين في بلاد الشام، حتى أن قواد المعز اتخذوا منها أماكن يفرون إليها مع جندهم من وجه أعدائهم، ولا سيما القرامطة (44) .
ولأهمية السواحل الشامية في نظر المعز كان يعين عليها قوادًا وولاة، ليكون الاتصال محكمًا بين مصر وبلاد الشام، وقد قدرت سفن الأسطول الفاطمي التي بنيت في دور الصناعة المصرية بأكثر من ستمائة قطعة مختلفة الأشكال والأحجام، على حين بلغ عدد السفن في أواخر عهد الدولة الفاطمية مائة قطعة فقط (45) .
وهكذا استغل المعز لدين الله موقع مصر والشام الاستراتيجي، فكون أسطوله الشرقي الضخم، ولو قدر له البقاء طويلًا لكان هذا الأسطول أكثر ضخامة وأبعد أثرًا. وقد وصف المقريزي عناية المعز بالأسطول بهذه العبارة (46) :"لما سار الروم إلى البلاد الشامية بعد سنة خمسين وثلاثمائة اشتد أمرهم بأخذهم البلاد، وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله، وأنشأ المراكب الحربية، واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد، واعتناء بالأسطول، وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر واسكندرية ودمياط، من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت في أيام المعز تزيد على ستمائة قطعة".