فهرس الكتاب

الصفحة 6525 من 23694

ويظهر أن الملاحة الأوربية نفسها كانت- في ذلك العصر- على حال يرثى لها من الضعف، ففي سنة 322هـ/ 935م استطاعت مراكب عبد الله المهدي الفاطمي أن تغزو جنوب فرنسة ومدينة جنوة وأن تنهبهما، وأن تفعل مثل هذا بمدينة يبيزا في عامي 351-354هـ فهذا النصر يبين لنا مدى ثقل وطأة الأسطول الفاطمي على أساطيل أوروبة وتحكمه في لجج البحر المتوسط، وأن سلطة الفاطميين في المغرب تمثل قمة المجد البحري الإسلامي في البحر المتوسط وعصر سيادة الأساطيل الإسلامية لهذا البحر (19) .

وظل الاهتمام بالأسطول متواصلًا وكبيرًا في عهد أبي القاسم محمد القائم، بل بلغت قوته شأوًا بعيدًا، وتفاقم خطره على الأساطيل البيزنطية، حيث ضاعف من غاراته عليها من موانئ المغرب وثغوره، ومن صقلية أيضًا. ولعل قلة الثورات الداخلية في بداية عهده تركت له مجالًا للاهتمام بحرب الروم والعناية بالأسطول أكثر من أبيه. ويقول ابن خلدون بهذا الصدد (20) :"وكان أبو القاسم الشيعي وأبناؤه يغزون بأساطيلهم من المهدية جزيرة جنوة فتنقلب بالظفر والغنيمة كما وقع في أيام بني الحسن ملوك صقلية القائمين فيها بدعوة العبيديين، وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي، وأساطيل المسلمين قد ضريت ضراء الأسد على فريسته، وقد ملأت الكثير من بسيط هذا البحر عدة وعددًا، واختلفت في طرقه سلمًا وحربًا، فلم تسبح للنصرانية فيه ألواح. حتى إذا أدرك الدولة العبيدية والأموية الفشل والوهن مد النصارى أيديهم إلى جزائر البحر الشرقية مثل صقلية وقريطش ومالطة، فملكوها، ثم ألحوا على سواحل الشام". فهذا النص يبين لنا مدى الدور الخطير الذي شغله الفاطميون في الدفاع عن المغرب الإسلامي والمتمثل في رد غزوات الروم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت