وإذا ألقينا نظرة على القطع المعدة للغناء في مسرحيات القباني علاوة على الموشحات، نلاحظ أولًا وجود عدد من القصائد، منها قصائد معروفة من الأدب العربي (بنوع خاص لبهاء الدين زهير) ومنها قصائد تتعلق مباشرة بموضوع الرواية ويبدو أنها من نظم القباني كما نرى أناشيد ومقاطع شعرية يطلق المؤلف عليها اسم"لحن"ويشير إلى أن على"المجموعة"أي على"الكورس"إنشادها، كما أن بعض حوارات الرواية كانت هي أيضًا ملحنة (26) . كل هذا يضفي على مسرحيات القباني طابع"الأوبريت"أي الرواية الغنائية.
ما هي أنغام هذه المقطوعات المهيأة للغناء في مسرحياته؟. من الطبيعي أننا لا نستطيع معرفتها وهي لم تسجل على الأسطوانات ولم تدون موسيقيًا ولم يبق أحد من الذين استمعوا إليها. إن محمد كامل الخلعي، الذي يقول أنها وضعت بمناسبة مناظر ومواقع في التمثيل، يعلق عليها بالعبارات التالية:"شهد من قبل أكابر الموسيقيين وفطاحل الملحنين بما له من بديع التلاحين الرقيقة لأناشيد الطرب الأنيقة ما يزري برنة الدينار ويذهب بصوت الناي والأوتار ويطوح بالهموم والأتراح ويغني بلذته عن الراح. فكم له من قطعة رافعة للقدر ومدحة شارحة للصدر ومرثية مبكية للعيون ومقطعات مختلفة الفنون" (27) . هذه شهادة من كان يعتبر نفسه تلميذًا للقباني وحضر معظم مسرحياته.
مهما يكن من أمر فأحمد أبو خليل القباني هو الذي أوجد المسرحية الغنائية في الوطن العربي وله يعود الفضل في تدعيمها ونشرها وقد فتح الطريق التي سار عليها من بعده سلامة حجازي وسيد درويش وفي يومنا الحاضر الأخوان رحباني.
إحياء تراثه:
إلى أي حد لا يزال تراث أحمد أبي خليل القباني حيًا؟.. هل مؤلفاته الموسيقية، باستثناء عدد ضئيل منها ينشد من حين إلى آخر، أصبحت عبارة عن وثائق تحفظ في"أرشيف"تاريخ موسيقانا كالقطع الأثرية في المتاحف؟..