والحقيقة أن نقاط التشابه في الموقفين لا تقتصر على الانقطاع عن الآخر، ذاك الانقطاع المتكثف تدريجيًا (السيدة مريم تنتبذ من أهلها مكانًا شرقيًا؛ وتتخذ من دونهم حجابًا؛ وتنتبذ بعد حملها بجنينها مكانًا قصيًا. والسياب منقطع عن الوطن والحبيبة لغربته، ومنقطع عنهما بضعفه وعجزه لمرضه) ، بل تشمل كذلك حضور الموت (السيدة مريم تتمناه لنفسها، هو شفاء دائها الوحيد(3) ، والسياب يضرع إلى عالم من ردى لا يجيب، وهو إلى جانب ذلك يرقب في مرضه شبحه الذي يلوح في الأفق القريب). وأهم من ذلك كله مأساوية الموقف نتيجة تعمق الشعور بالحاجة إلى الآخر من ناحية، ومعرفة استحالة تواصل كهذا من ناحية أخرى بسبب طبيعة الظرف الخاص بكليهما (البعد الفاصل بين بيروت وبغداد لدى السياب المريض العاجز، والحمل غير المعهود، والذي لا سبيل إلى تفسيره هو عقبة التواصل مع الآخر لدى مريم) .
مهما كان الأمر فإن لمعاناة السيدة مريم نهاية ممكنة، هي ولادة السيد المسيح الذي سيقوم بشرح كل شيء، وبذلك يعيد قنوات التواصل بين أمه والآخر. وفوق ذلك فإنه بمجرد ولادته سيحمل عزاء من نوع ما للسيدة مريم. ومعنى هذا أن ثمة ما يمكن أن تنتظره في المستقبل القريب، وفي هذا عون من نوع ما على تحمل ما هي فيه. ولكن يبدو أن ذلك كله لم يكن كافيًا للاطمئنان عن السيدة مريم بالنسبة للخالق الرحيم وهكذا ناداها منادٍ (من تحتها ألاَّ تحزني قد جعل ربك تحتك سريًا* وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا* فكلي واشربي وقرّي عينًا(.