فثمة انقطاع عن الآخر (وطنًا وحبيبة- وأني هنا في اشتياق إليه، إليها...) ، وهناك مسافة فيزيائية ونفسية بين أنا الشاعر والآخر الذي يهمه شأن التواصل معه. الشاعر كما تذكر كتب السيرة المتعلقة به كان في بيروت للاستشفاء (1) . ومعنى ذلك أن حاجته إلى التواصل مع الآخر تتكثف، تتركز. فالمرض ضعف، شعور بالعجز وبالحاجة إلى الآخر، والغربة كذلك ضعف، شعور بالعجز والحاجة إلى الآخر. وعندما يتزامنان، يتكثف الحنين نحو الآخر، ويتجمع في بؤرة تصدر عنها هذه الصرخة الضارعة:
أنادي: عراق
ولكن ما هي حصيلة هذا التمدد باتجاه الآخر، وهذا النداء الحار له. إنها النحيب، رجع الموت، رجع عالم من ردى لا يجيب النداء. وهكذا يتعمق الشعور بالقطيعة، ويكتسب مأساوية جديدة تضاف إلى مأساوية الموقف الأساسي (تزامن الغربة والمرض) .
إن الشعور بالانقطاع عن الآخر (وطنًا وحبيبة) واستحالة التواصل معه بسبب سيادة الموت، يضع الشاعر في موقف يشبه إلى حد كبير موقف السيدة مريم التي تدرَّج انقطاعها عن الآخر، على نحو مماثل.
ولنقرأ ما ورد من آيات كريمة بشأنها. يقول الله عزَّ وجل:
(واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا* فاتخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويّا* قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا، قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيًا* قالت أنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا* قال كذلك قال ربك هو عليَّ هيِّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا، وكان أمرًا مقضيًا* فحملته فانتبذت به مكانًا قصيًا* فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا* فناداها من تحتها ألاَّ تحزني قد جعل ربك تحتك سريًا* وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا* فكلي واشربي وقرّي عينا.. (( 2) .