مهما اختلفنا حول طبيعة الأدب، أو حول ما يشكل أدبيته- على حد تعبير رومان جاكبسون- فإن ثمة إجماعًا على أنه إنشاء لغوي توظف فيه اللغة توظيفًا خاصًا، وهو بمعنى ما نسيج مؤلف من خيوط متنوعة، مختلفة الشيات والألوان، والجيد منه نسيج محكم غاية الإحكام، يصعب تمييز خيوطه المكونة، وإن كان بالطبع لا يستحيل.
وإذا كان الأدب نسيجًا، فإن دراسته تغدو تفكيكًا لهذا النسيج من أجل تبين مكوناته. فالنص، أي نص، هو إنشاء في نهاية الأمر، حصيلة تراكمات لنصوص مختلفة في مخزون المنشئ الثقافي. ومعنى ذلك أن من ضمن مهام الناقد معرفة الطريقة التي تراكمت فيها هذه النصوص لتكون فيما بعد النص الجديد.
والحقيقة أن لكل نص مفتاحًا رئيسيًا يمكن من خلاله الوقوع على النقطة الحساسة التي تمكن القارئ- والناقد قارئ متمعن- من وضع يده على مكوناته، خيوطه، عناصره التي تراكمت وكونت النتاج الجديد. إذ تكاد تتجمع في هذه النقطة- نقطة الفك- نهايات الخيوط المشكلة للنسيج. ومن هنا كانت أهمية وضع اليد على هذه النقطة إذ دونها يستغلق النص، ويحجب دلالاته الأساسية عن مستهلكه، أو تنعدم عملية التواصل بينه وبين القارئ، فينصرف الأخير عنه انصراف اليائس، المتشكك، الزاهد أحيانًا. وبالطبع فإن هذا يحمل خطرًا ما بعده خطر على عملية الإنتاج الأدبي، فالأدب في النهاية إنتاج بحاجة إلى مستهلك مهما كان شأنه. ولعل إحدى أهم وظائف الناقد تسهيل عمليتي إنتاج الأدب واستهلاكه وتطويرهما باستمرار.
وإذا ما حاول قارئ قصيدة السياب"لأني غريب"أن يلج إلى عالمها، أن يقع على مفتاح يكشف له دلالتها الأساسية، فإنه ربما وجد في موقف القطيعة، الذي تحمله الغربة، مع الآخر والعالم، النقطة الحساسة التي تتجمع فيها نهايات خيوط نسيج القصيدة.