إن لحظة حضور الموت الممكن (الموت المرغوب فيه شفاء لدى السيدة مريم، والموت المنادى، والمهدد لدى السياب) جعلت السياب مباشرة يفكر في هزّ الغصون الذي قد يحمل له بعض ما حمله للسيدة مريم، وثمة ما يجعل هذا المؤمل أقرب وأدنى فهو محمول على الغصون وهزها أسهل وثمرها أقرب متناولًا. إن مأساوية موقف السياب التي تضارع إلى حد بعيد مأساوية موقف السيدة مريم ألجأته إلى الأمل الوحيد المتاح أمامه، خاصة أنه لم يناده منادٍ يطمئنه، أو يشير عليه بهز الغصون. وهكذا كان، هزَّ السياب الغصون طمعًا في الرطب الجني، في أن يأكل ويشرب وتقر عينه. ولكن ماذا كانت الحصيلة؟
إنها لم تكن غير تعميق مأساة الانقطاع عن الآخر، إذ هو غير موجود. ليس هناك غير الحجارة، الثمار حجارة، والعيون حجارة، والهواء الرطيب حجارة، ونداؤه كذلك حجارة، بل إنه ليس ثمة من دلالة على وجود حياة ما في هذا الدفق من الحجارة غير بقايا الدم- دمه هو، دليل الجرح، دليل المأساة. وهكذا يسود التحجر، والإقفار، كل ما يحيط بالسياب، وقد كان يطمع في الرطب الجني، في أن يطعم ويشرب، وفي ولادة تحمل معها السلام، وقرارة النفس، وطمأنينتها وسكينتها. إن حس مأساته يتعمق، فهو مشرف على الموت، وهو لذلك أقرب إلى عالمه وما فيه ومن فيه، من هذا العالم الحي بما فيه ومن فيه.
إن قصيدة السياب، كما يلاحظ القارئ، تبدأ بذرة هي لحظة الانقطاع عن الآخر وطنًا وحبيبة. ومع نمو القصيدة تتسع اللحظة ويتعمق الإحساس بها، حتى إن الشاعر لا يكاد يظفر بالصدى، برجع ندائه، إذ لا يأتيه إلا النحيب الآتي من عالم الموت، متمددًا هو أيضًا باتجاهه ليأتي عليه بشكل أو بآخر.