إذا كان الاستعمال قوة ضاغطة على اللغة باتجاه التقليص؛ فما القوة التي تجعل النظام اللغوي مرنًا يستجيب لمتطلبات التواصل من جهة، ولمتطلبات التطور من جهة؟ إنها مرونة القياس ومن مظاهرها في فكر ابن جني:
1-جواز القياس على ما يقل، ورفضه على الأكثر منه إذا كان الأكثر غير قياس.
2-ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب.
3-للإنسان أن يرتجل من المذاهب، ما لم يلو بنص، أو ينتهك حرمة شرع. وليس إجماع أهل البلدين- يعني البصرة، والكوفة- بحجة عليك إذا لم تخالف المنصوص؛ يقصد حرية الاستنتاج والبحث العلمي.
4-يحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، تسهيلًا للبحث وللغة، ومثاله حمل سيبويه كلمة (سِيْد) على الياء لأنه الظاهر؛ وإن كانت الواو أكثر ورودًا في هذا الموضع، أي عين الاسم.
5-الاستحسان ضرب من الاتساع والتصرف، ومن أمثلته ترك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة، وإلحاق نون التوكيد باسم الفاعل تشبيهًا له بالمضارع، وما خرج منبهة على أصل بابه، مثل (استحوذ) و (استصوب) .
6-إذا انفرد العربي بشيء نظر إلى كلامه؛ فإن كان كلامه فصيحًا قبل منه؛ فقد يكون من لغة قديمة. إن ابن جني يتجاوز هنا قاعدة الاستعمال الجماعي، ويقبل الاستعمال الفردي لتسهيل احتواء النظام للغة.
7-الحمول والإضافات والإلحاقات لكثرة هذه اللغة وسعتها وغلبة حاجة أهلها إليها للتصرف؛ يقول سيبويه:"وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا" (38) .
8-قبول لغتين أو أكثر"لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به، ويخلد إليه، وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها" (39) ، ومثاله أعمال (ما) وإهمالها.