وتتوضع اللغة لكونها وسيلة اتصال ضمن مجموعة الأنظمة العلامية المستخدمة للتواصل، مثل أنظمة المرور وطقوس الزواج والوفاة. وعلى هذا وجدت- ولا تزال- لغات غير منطوقة بجهاز النطق الإنساني مثل نداءات الإنذار، وقرع الطبول في أفريقية؛ ولكن الأساس هو وجود لغة منطوقة يتكون نظام عملها من بث واستقبال أصوات منتجة بعملية الكلام. وهذه اللغة هي موضوع علم اللغة.
وأدت الحاجة إلى التواصل بين الناس الذين يتكلمون لغات مختلفة؛ لا إلى تعلم إحدى المجموعتين لغة المجموعة الأخرى فحسب، وإنما إلى ظهور لغات خاصة تسمى"لغات الاتصال"تتميز عن اللغات القومية، مثل لغة البدجين (Pidgin) المكونة من عناصر انكليزية وصينية وماليزية، ولغة السابير (Sabir) ذات الأصول الرومانية، التي كانت تستخدم سابقًا على شواطئ البحر المتوسط (20) .
كيف تؤدي اللغة وظيفتها بصفتها أداة اتصال؟
1-يجب أن يكون للغة نظام. يقول ابن جني في معرض حديثه عن الاختلاف بين لغة تميم ولغة الحجاز:"هذا الخلاف لقلته ونذارته غير محتفل ولا معيج عليه. وإنما هو شيء من الفروع يسير، فأما الأصول وما عليه العامة والجمهور فلا خلاف عليه. وكل واحد محافظ على لغته، لا يخالف شيئًا منها، ولا يوجد عنده تعاد منها؛ فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون ويقتاسون ولا يفرطون ولا يخلطون" (21) و"لو كانت هذه اللغة حشوًا مكيلًا وحثوًا مهيلًا لكثر خلافها وتعادت أوصافها فجاء عنهم جر الفاعل ورفع المضاف إليه" (22) .
إذن ما يختلف فيه العرب قليل بالقياس إلى ما يتفقون عليه، ثم إن ما يختلف فيه العرب قليل بالقياس إلى ما يختلف فيه العلماء؛ وذلك لأن العلماء اختلفوا في الاعتلال لما اتفقت عليه العرب، كما اختلفوا أيضًا فيما اختلفت العرب فيه.
ويعود الفضل في اتساق النظام اللغوي في رأي ابن جني إلى القياس.