فهرس الكتاب

الصفحة 6407 من 23694

ومن مظاهر الاعتباطية التي تخرج عن ساحة البحث، والتي ساقها ابن جني في الخصائص ظاهرة عدل بعض الكلمات دون بعضها الآخر؛ يقول في الباب الذي استقينا منه النص السابق"فقد نجد في اللغة أشياء كثيرة غير محصاة، ولا محصلة، ولا نعرف لها سببًا، ولا نجد إلى الإحاطة بعللها مذهبًا؛ فمن ذلك إهمال ما أهمل، وليس في القياس ما يدعو إلى إهماله، ومنه أنهم عدلوا (فُعَلا) عن (فاعل) في أحرف محفوظة، وهي ثُعَل وزُحَل وعُمَر... وما يقل تعداده، ولم يعدلوا في نحو مالِك وحاتِم وخالد، وغير ذلك، ولسنا نعرف سببًا أوجب هذا العدل في هذه الأسماء التي أريناكها دون غيرها" (15) .

ومن مظاهر الاعتباطية التي لها علاقة باجتماعية الظاهرة اللغوية أوثق من علاقتها باعتباطية الإشارة اللغوية ظاهرة الاستغناء، إنما تعنينا منها هنا الكيفية التي تم بها الاستغناء؛ فلماذا استغني عن ماضي (ذَرْ) و (دَعْ) ولم يستغن عن الماضي (وثب) إذا جرت هذه الظاهرة على الأفعال المبدوءة بالواو، ومثل هذا التساؤل في الاستغناء بجمع القلة عن جمع الكثرة أو العكس.

إن الخوض في المظهرين الأخيرين، العدل والاستغناء يتطلب الكثير من الحذر، وأعتقد أنهما يحتاجان إلى بحث تاريخي تطوري.

ومظهر رابع للاعتباطية، وهو التصادفات الواقعة في اللغة أو ما يسميه ابن جني"تلاقي اللغة"ويستشهد له باسمي العلم (سلمان) و (سلمى) :"ألا ترى أن فَعْلان الذي يقاوده فَعْلى إنما بابه الصفة كغضبان وغضبى وعطشان وعطشى؛ وليس سلمان وسلمى بصفتين ولا نكرتين، وإنما سلمان من سلمى كقحطان من ليلى. غير أنهما كانا من لفظ واحد فتلاقيا في عُرض اللغة من غير قصد لجمعهما، ولا إيثار لتقاودهما" (16) .

ويتطلب الحديث عن اجتماعية الظاهرة اللغوية التقديم بأصل الكلام الإنساني. ونستطيع إجمال النظريات التي ظهرت لتفسير أصل الكلام الإنساني في الاتجاهات التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت