فهرس الكتاب

الصفحة 6406 من 23694

أوضح ابن جني أن الاعتباط أحد أسس اختيار الأصول الثلاثية في اللغة العربية، وهي أصول الأغلبية العظمى، قائلًا:"اعلم أن واضع اللغة لما أراد صوغها وترتيب أحوالها هجم بفكره على جميعها، ورأى بعين تصوره وجوه جملها وتفاصيلها، وعلم أنه لا بد من رفض ما شنع تالفه منها، نحو (هع) و (قج) .. فنفاه عن نفسه، ولم يمرره بشيء من لفظه، وعلم أن ما طال وأمل بكثرة حروفه لا يمكن فيه من التصرف ما أمكن في أعدل الأصول وأخفها وهو الثلاثي... فلما كان الأمر كذلك اقتضت الصورة رفض البعض واستعمال البعض، وكانت الأصول ومواد الكلم معرضة لهم، وعارضة أنفسها على تخيرهم، جرت لذلك عندهم مجرى مال ملقى بين يدي صاحبه، وقد أجمع انفاق بعضه دون بعضه، فميز رديئه وزائفه، فنفاه البتة، كما نفوا عنهم تركيب ما قبح تأليفه. ثم ضرب بيده إلى ما أطف له من عرض جيده، فتناوله للحاجة إليه، وترك البعض لأنه لم يرد استعمال جميع ما بين يديه منه لما قدمنا ذكره، وهو يرى أنه لو أخذ ما ترك مكان أخذ ما أخذ لأغنى عن صاحبه، ولأدى في الحاجة إليه تأديته؛ ألا ترى أنهم لو استعملوا (لجع) مكان (نجع) لقام مقامه وأغنى مغناه) (14) ."

يكشف النص السابق تصور ابن جني مراحل وضع ألفاظ اللغة على النحو التالي:

1-رفض ما شنع تآلفه من الأصوات، وغالبًا ما تكون- حسبما يشرح في مكان آخر من الخصائص- الأصوات التي لها مخرج واحد، مثل (هع) .

2-الابتعاد، لا الرفض المطلق، عن الأصول الطويلة، أي عن الرباعي والخماسي.

3-الانتقاء من بين الأصول الثلاثية، لأنه لا يمكن استيعاب كل هذه الأصول. ويتعلق هذا الانتقاء بقانون آخر سنتعرض له في حينه.

4-لا مقياس في هذا الانتقاء إلا مقياس الاعتباط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت