فهرس الكتاب

الصفحة 6397 من 23694

الذين يتحدثون عن الإيقاع في فن الأدب- شعره ونثره- ينتهون إلى أن الفيصل في وجود هذا الإيقاع يتوقف إلى حد كبير على الإحساس به، والذين تناولوا بشكل عام وسريع موسيقى القرآن يعترفون بأن في القرآن نوعًا من الموسيقى الخفية تلفظ ولا تشرح، أو تدرك بهبة لدنية (7) ، فهل يعني هذا أو ذلك أن ثمة عقبة كأداء تعترض في أثناء الدراسة تسمى مرة الإحساس وأخرى الخفاء؟ في ظني أن الموقفين لا يبرزان عقبة بقدر ما يثيران مشكلة هي التلقي، كيف نتلقى القرآن؟

إن الدراسات النفسية والجمالية (8) لعملية التلقي أثبتت أن تركيب الأثر الفني لا يكون تامًا ولا كاملًا إلا إذا التقت في رحابه وتداخلت طاقتان الطاقة الكامنة في النص والطاقة المنبثقة عن التلقي، ولقد كانت معظم الدراسات القديمة- اللهم إلا تلك التي أشارت إلى تأكيد العامل النفسي في إثبات الإعجاز- تذهب إلى فصل الصورة عن المادة، فصل المدرِك عن المدرَك، وبالتالي ترى أن القرآن يحمل قيمه الفنية إلى الجاهل والعالم على السواء ويؤثر فيهما.

رؤيتنا اليوم تختلف لأن تحليل عملية الإدراك يختلف، القرآن- الموضوع- يلتقي فيه عالمان عبر عنهما بالاستماع والتدبر ونعبر عنهما بعالم النص وعالم المتلقي، الأول حياة تعج بالحركة والامتداد، كلمات تعبيرية، صور فنية، قيم موسيقية، تركيبات بلاغية، والثاني حياة وخبرات جمالية وثقافية تتصف هي الأخرى بالحركة والتقابل والامتداد، في عملية الإدراك تتصالح الحياتان، تلتقي الطاقتان- الطاقة الكامنة في النص، واطلاقة المنبثقة عن القارئ، ولن يكون التلقي كاملًا، ولن يدرك القرآن إدراكًا كاملًا، إلا إذا حدثت المعجزة، وتداخل العالمان وتناغما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت