يبقى أولهم محمد رفعت المقرئ التقي الضرير الذي مات بالفالج فقيرًا معدمًا فهو الفنان الذي لا يضارع، لقد وهب الله له- إذ فقد البصر- البصيرة والحس السليم، وآتاه حظًا من الثقافة في النغم والموسيقى، ومنحه صوتًا ثريًا رغم صغر حجمه وخفوته إلا أنه يمتد على مساحة واسعة مكنته من التنقل صعودًا وهبوطًا دون مكابدة ولا معاناة، والذي ينصت إليه حين يتلو"طه"أو غير"طه"من آي الذكر يحس كأنما أتى هذا الشيخ إلى الدنيا بشيرًا ونذيرًا، في آيات الرحمة يندى صوته بالفرحة والبشرى، وفي آيات الزجر والعقاب يهتز هزة الوجل والاستغفار، مع ذكر الجنة تشم الأنوف عطرها، وتتنسم أريجها، وينعم الإنسان بظلها ومائها السلسبيل، ومع ذلك الجحيم يتسعر الجلد فرقًا من العذاب، وتتلظى النفس برمضاء النار، ويمج الفم طعم الزقوم والغسلين...
أليس هذا كله نوعًا من أنواع التدبر؟ سئل- رحمه الله- مرة كيف تختار لكل آية من الكتاب أداء يناسب معناها؟ أجاب- حين أتلو يذهب أدائي إلى معاني الآيات ويذهب صوتي إلى أدائي وينجاب من حولي الظلام فأرى كل شيء في النور.
-وما حكاية فنك العجيب الباهر الذي تتشكل به نبرات صوتك حسب الأصول الموسيقية؟
-ما تسمونه فنًا أسميه تغنيًا على الأصول الشرعية.
قد يكون حكمي على قراءة الثلاثة حكمًا شخصيًا وقد لا يكون فالمهم أن لكل منهم طريقة في الأداء أو التغني وهذه الطريقة شخصية إلى أبعد الحدود ولا تدخل في تقديرنا عندما ندرس مسألة الإيقاع، إننا نعدها- بشكل أو بآخر- مصدرًا من مصادر النغم في تلاوة الكتاب إلا أنها لا يمكن أن تعد في أي حال مصدرًا من مصادر موسيقى القرآن.
ثالثًا: مصدر المتلقي- النفس: