فهرس الكتاب

الصفحة 6395 من 23694

لقد أتاحت لي الفرصة خلال ربع قرن أن أستمع غير مرة إلى أشهر المقرئين وفي مقدمتهم ثلاثة: محمد رفعت ومصطفى إسماعيل وعبد الباسط عبد الصمد، سمعت للأول معظم ما أذيع له، واستمعت إلى الآخرين حيث كانا يقرآن في الجامع الأزهر ومسجد الإمام الشافعي في القاهرة ووجدت أن لكل منهم طريقة في الأداء تباين طريقة صاحبيه وتتحكم فيها أمور عدة منها خلقية (إمكانات الصوت وطاقته) وثقافية (مدى المعرفة بالنغم والمقامات الموسيقية) وإبداعية (موهبة القارئ وحسه المرهف) ، وسنوازن فيما بينهم من منظور ذاتي لنبين أن التفاوت في الأداء لا يعود إلى موسيقى القرآن بل هو في منأى عنه.

لا أدري لم يتمثل لي مصطفى إسماعيل بالصانع الماهر، وعبد الباسط عبد الصمد بالمطرب المحبوب، ومحمد رفعت بالفنان المتخصص الموهوب؟، ولعل السبب يعود إلى طريقة كل منهم في تغنيه للآيات، حين نستمع للأول (ولا أقول نسمع فشتان ما بين السمع والاستماع نحس صوتًا جميلًا تغلبه صفة صاحبه، يغلبه وقاره وجلاله والأصول الدقيقة لعلم التجويد وإن خولفت في بعض الأحيان، فمصطفى ماهر في الإبانة والإظهار والتفخيم والترقيق والتشديد والغنة والحركة، وربما كان من أجل هذا المقرئ الرسمي للدولة حتى وفاته.

أما عبد الباسط فهو المطرب وأبلغ ما يتصف بهذه الصفة حين يلتقي بالجماهير ويتغنى في المسجد، عندها يحاول أن يثير ويستثير، يروض الانفعالات في النفوس ويطلقها فتعلو التأوهات والصيحات، وهو يلجأ- لكي يحقق ذلك- إلى أداء الآية الواحدة بأكثر من صورة كما يلجأ إلى شتى الطرائق التي تحرك الجماهير، وتؤثر في عواطفهم مثل الترعيد والترقيص والتطريب والترديد والتخزين، قد نقول أنه ظاهرة في قراءة القرآن، وهذا لا ريب فيه، غير أن هذه الظاهرة جنحت نحو النغم وفضلته على صحة التلاوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت