فهرس الكتاب

الصفحة 6394 من 23694

ويبدو أن التغني مثله مثل الغناء والموسيقى يتطور خلال العصور ويتأثر بهما في هذا التطور، وإذا ما وازنا مثلًا بين طبيعة التغني في الصدر الأول وبين طبيعته في العصرين الأموي والعباسي فسنجد الفارق كبيرًا، في العصر الأول كان التغني فطريًا وبسيطًا، كان مد الصوت وترقيه ورفع طبقته يتم دون درجة صوتية ولا معرفة موسيقية، فلما أن اتسعت علوم الغناء والموسيقى بعد ذلك اتسع معها التغني بالقرآن وتنوع، حلت أصوات مدربة مصقولة مثقفة محل الأصوات الفطرية الأفقية ذات النغمات المتقاربة، امتدت الدائرة التي تتحرك فيها أوتار الحناجر، ظهرت كيفيات من الأداء تتغنى باحكام، وتعرف مواقع النغم، وهذا معنى ما نقوله من أن التغني كالغناء يختلف من عصر إلى عصر ومن جيل إلى جيل، ومن مقرئ إلى مقرئ.

لكي نفهم نوع العلاقة بين القيم الموسيقية للقرآن وبين القيم الموسيقية لفن المقرئ لا بد أن نميز بين طراز الصوت المعبر به وعنه وبين كيفية أدائه، طراز الصوت هو نظمه وطريقة تواليه، هو عنصره الإيقاعي الكائن في نغم العبارة الفنية، أما كيفية أدائه فهي تنغيمه، أي تلوين حالات التعبير من أخبار وتأكيد واستفهام وتعجب وارتفاع في الطبقة،"أو تغير في موجاتها، صحيح أن كيفية الأداء هي تحقيق لطراز الصوت بيد أنه تحقيق فردي أو شخصي يضاف إليه، وقد يحرف أصلًا من أصوله ويشوهه، إنه عنصر ذاتي خاص بالمقرئ، وإذا كنا نزعم لأنفسنا أننا نستطيع دراسة موسيقى طراز الصوت فإنا لا نزعم أننا نستطيع أن نقيم علمًا للإيقاع ولا حتى دراسة جادة له من خلال كيفيات الأداء الفردية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت