هذا، وترى القرآن العظيم ينص صراحة على أن"أماني المرء"التي تحمله على التواكل، والاغترار، والاسترخاء- بما هي خلوٌ من العطاء، والتضحيات الجسام عند الاقتضاء، ولا سيما في مواطن البأساء والضراء، وحين البأس، أي دون جهاد مضن، وتحمل لأشد مشاق القتال، أقول أن تلك الأماني ليست من السنن الإلهية في شيء، بل"الأماني"المجردة، أوهام وأخيلة، أو هي من غرور الشيطان ووعده، لمناقضتها لسنة الحياة نفسها، ولكونها مضادة لمراد الشارع من وضعها، ومفضية- آخر الأمر- إلى نتائج عكسية، ولأن المتمني على الله الأماني، مجردة من تبعات التكاليف بعامة، والجهاد بخاصة، يطمس في نفسه"أصول المسؤولية الكبرى"عن مصير أمته، ويتجاهل سنة إحراز النصر لها في جهادها الواصب مع عدوها، ولأن النصر- في منطق القرآن العظيم- ليس هبة تعطى، وليس ثمنه مجرد أمنية تطوف بالمخيلة، أو دعاء يُتضرع به، أو أمل سانح في سماء الأوهام، والرؤى الحالمة، بل"النصر"- في شرعة الإسلام- باهظ التكاليف في الأنفس والأموال، بما يتطلب من النفس الإنسانية أن تستفرغ كافة طاقاتها، وتبذل من ذات نفسها، وتصبر في مواطن المحن صبرًا يكاد يشارف على ما يشبه اليأس، ولكن لا يقع فيه، لقوة إيمانه، إذ"النصر"- كما تصوره الآيات الكريمة- وإن كان من عند الله تعالى القوي العزيز الحكيم، غير أنه"مطلب عزيز"لا يناله إلا أولو العزم، ولو كانوا من الرسل!! حتى ليكاد الجهاد من أجل الظفر بالنصر، يذهب بصبر المؤمنين، ويأتي على رباطة جأشهم، وقوة عنفوانهم، بل قد يحمل- لشدة مآسيه، وكوارثه- على الدخول في مداخل تشبه"الاستيئاس"لفرط ما كان الرسول نفسه ( وأصحابه يتحملون من أهوال، ويعانون من ويلات ورهق، تجد هذا جليًا، فيما تعبر عنه الآية الكريمة من قوله عز شأنه: (مسَّتهم البأساء والضراء، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله!! (( 49) .