ومن هنا، تدرك أن القرآن الكريم، يربط العقائد- ومن أجلِّ ثمراتها التقوى- بالتكاليف بوجه عام، والجهاد بوجه خاص، وصلًا لحقائق الدين بنظام الدنيا، وصلًا عضويًا واقعيًا محكمًا، بحيث يكون أداء الثانية، وإقامتها، دليلًا بينًا على صدق الأولى، أو مظهرًا مجسدًا لمضمونها، ومقتضياتها، حتى لا تبقى تلك العقائد مجرد تجريدات ذهنية فلسفية لا صلة لها بالواقع الحيوي، وتدبير شؤون الأمة، بما يحقق مصيرها، وليقيم الحجة البالغة على المكلفين أنفسهم من واقع تصرفهم في حياتهم، ومما كانوا يتخذون من"مواقف"حيوية حاسمة، تجاه أحداث عصرهم، ومصائر شعوبهم، وبذلك حسم القرآن العظيم، الفرق بين الرجاء الإيجابي العامل الجاد المثمر البنَّاء، وبين التواكل، أو الأماني الخواء في النصر، أو في الحياة بعامة، مجردة عن اتخاذ الأسباب العملية المناسبة والفعالة من الاستبسال في الجهاد، بخاصة، وأداء التكاليف، وإقامة الحياة الإنسانية المثلى بعامة.
ح-القرآن العظيم، إذ يرسم المنهج"الأقوم"الذي ينبغي أن تسلكه الإنسانية جمعاء في مسارها الطويل لو ثابت إلى رشدها، واستهدفت المصلحة العليا للبشرية كلها- وقد أعدها الله تعالى إعدادًا فطريًا خاصًا لذلك، لتمكينها من التنفيذ والأداء، مرشدًا إلى موضوعية قيمه، وإنسانية مُثله، وعالمية مبادئه، وشمولية مفاهيمه، ومقدرًا تغير ظروفها، بقوله سبحانه: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم( يحذر- في الوقت نفسه- من غرور الأوهام، وخدر الأماني، ليبصر بما جاء به من بصائر، وبينات من الهدى والفرقان، ويوقظ الوعي للذات، ويهدي إلى السنن العامة التي تقوم عليها حقائق هذا الوجود، منذ نشأة الخلق الأول.