هذا، ومما لا ريب فيه، أنه سبحانه يعلم ما تكن الأنفس، وما تخفي الصدور، وعلى هذا، فإنه سبحانه يعلم ما سيكون من المكلف قبل وقوعه، ولكن الآية الكريمة جاءت لتفيد تقرير سنة الابتلاء عملًا، ليرى المكلف نفسه، ما يصدر منه واقعًا، وليقيم الله تعالى الحجة عليه من واقع تصرفه، قطعًا لحبائل المعاذير: (قل فلله الحجة البالغة( ولقوله عز وجل: (بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره (( 34) وترى هذا الاقتران بين الاعتقاد والجهاد، مبثوثًا في مواضع كثيرة من القرآن العظيم، ترسيخًا لهذه السنة الماضية في الأمم، في مثل قوله سبحانه: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون (( 35) وقوله عز شأنه: (والصابرين في البأساء والضراء، وحين البأس، أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون (( 36) فأمارة الصدق على الإيمان والتقوى، هو الصبر على احتمال أهوال الحرب، والتمرس بآفاتها وكوارثها، لأنها من أشد صنوف البأساء والضراء، فتكًا وتدميرًا.