أولًا- وجوب تغليب جانب الحكمة، والنظر العقلي الرشيد، كيلا تتحكم في النفس الإنسانية، شهواتها، وتهيمن عليها أهواؤها، فتسد على العقل منافذ التفكير الموضوعي الحر، أو تعطل أحكامه، فيكون حينئذ،"الميل"الحتمي عن سنن الحياة الإنسانية الفطرية السوية، وحقائق مثُلها، وقيَمِها الموضوعية الخالدة، ويفضي إلى سوء المصير.
ثانيًا- واقعية هذه السنن التاريخية التي تنتظم الحياة الإنسانية منذ القدم، وعبر أحقابها المتطاولة، مما جهد القرآن الكريم في إيقاظ الوعي الإنساني بحقائقه وأبعاده، كيلا يستغرقه الاستهواء، أو تنتابه الغفلة، أو يستبد به الوهم والاغترار، أو يتردى الإنسان معه- آخر الأمر- في مهاوي القنوط عجزًا، وحمقًا.
ثالثًا- حتمية آثار تلك السنن الإلهية الثابتة بوضع الله تعالى، تكوينًا: (سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا (( 30) وقوله تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا (( 31) وقوله سبحانه: (سنة الله التي خلت في عباده، وخسر هنالك الكافرون (( 32) .
هذا، وقد كانت تجارب الماضين- بما هي ثمرة حسية واقعية لتلك السنن، وفقًا لطبيعة مواقفهم منها- إيجابًا أو سلبًا- برهانًا ساطعًا على صدقها، وحقِّيَّتها وحتمية آثارها، وهذا يفسر لنا السر في كثرة ورود النصوص الآمرة بوجوب التماس العبرة من تلك التجارب، ترشيدًا للسعي الدنيوي على مقتضى من الحكمة، والنظر العقلي، والبحث العلمي، ليخلص إلى القياس المنطقي الإجمالي في المحسوسات، بعد البحث والنظر، أي"اعتبروا أنفسكم بهم، حتى إذا عملتم عملهم، وسلكتم مسالكهم، وسكنتم في مساكنهم، ظلمًا وعلوًا، أصابكم ما أصابهم"وهذا نوع من مجاوزة حال النفس إلى حال الغير، أو العكس، مقارنة وقياسًا- كما ترى- وهو ما تقضي به الحكمة والتعقل، وعمق الإدراك، وصواب التقدير.