ومعاناة أسباب الشقاء، واضطراب حبل الأمن والسلم العالمي، مما اتخذ مظهره في الحروب الشرسة الضارية المدمرة التي تمتُّ بسبب قوي إلى عهد البدائية الأولى، ولكن على نحو أكثر وحشية، وأظهر بربرية، بفضل تطوير أدوات الفتك والتدمير، ولا سيما في هذا القرن العشرين!
يؤكد هذا، بل ويؤصله، قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم، ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا (( 23) .
وتفصيل ذلك، أن القرآن الكريم إذ يحذر المؤمنين، أن يعتسفوا ما وضعه الله تعالى من السنن الفطرية الثابتة، والمطردة، والنافذة آثارها في الأولين، منذ النشأة الأولى، لقوله تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (( 24) أو يميلوا عن حقائق القيم الإنسانية، والمثل العليا الموضوعية الثابتة المطلقة التي هي من مقتضيات الفطرة الإنسانية وسننها، أو يميلوا ميلًا يخرجهم عن طبيعة فطرتهم، أقول أن القرآن الكريم إذ يفعل ذلك، يُحضر لهم صورًا من الماضي الإنساني العريق في القدم، وما وليه، تاريخًا حافلًا بالتجارب الإنسانية، يحضره أمام النظر العقلي، في كل عصر- تدليلًا منه على صدق ما يبصر به من حقائق ثابتة مطلقة، بما هي تجارب حيوية واقعية للأمم السابقة، أثرًا لتعاملهم مع تلك السنن، ووفقًا لطبيعة مواقفهم منها- سلبًا أو إيجابًا- وأرشدهم إلى وجوب استخلاص مواطن العبرة منها، بما هي مادة خصبة للدرس والبحث والاستنتاج والاعتبار، لقوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب (( 25) وقوله عز وجل: (قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض (( 26) .