فهرس الكتاب

الصفحة 6327 من 23694

على أن مفهوم"الابتلاء"في القرآن الكريم- بما هو غاية الحياة الإنسانية- ليس مقصورًا على العقائد- وإن كانت هي المنطلقات الأساسية للسعي المسؤول، وإلا حبِط العمل- بل الابتلاء معنى شامل بأبعاده، للعقائد والشرائع العملية أيضًا، بصريح النصوص، فالإسلام عقيدة وشريعة معًا، والتكليف والابتلاء شامل لهما، والشريعة بوجه خاص، قوامها تكاليف تستهدف تشييد الحياة الإنسانية على سنن ثابتة، ودعائم راسخة، هي عين سنن الفطرة، لتبلغ أرفع مستوى من المعاني الإنسانية، والمثل الرفيعة، في كل عصر وبيئة، عدلًا مطلقًا، وإحسانًا ومساواة، وحرية، وأخوة، وعزة وسيادة، ومنعة وصلاحًا، وتزكية، وإيثارًا أو إصلاحًا، وجهادًا بالأنفس والأموال، وتسامحًا، ورحمة، وحضارة إنسانية، بل وتحريرًا للمستضعفين المقهورين في الأرض، ولو لم يكونوا يدينون بدين الإسلام، ولا تربطنا بهم رابطة من المواطنة، أو اللغة، أو الدم، أو الدين، محقًا لأصول الظلم والعدوان والبغي في الأرض، وليس ثمة من إيجابية- في التصور أو الوقوع- أقوى أثرًا، وأشمل محتوى من هذه المعاني والمثل العليا الرائعة حقًا، فيما نرى، فدل ذلك قطعًا على أن الإيمان وحده دون أداء التكاليف لا يعفي من المسؤولية، تلك حقيقة من الحقائق المستقرة في شرع الله ودينه!

على أن هذا الأصل العظيم- من العمل والأمل- لا يتنافى- كما بيَّنا- ومقتضى المغفرة الشاملة، على الرغم من اطِّراح العمل فترة، أو اقتراف المعاصي، إذا تمت الإنابة إليه تعالى كما في قوله عز وجل: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا، إنه هو الغفور الرحيم(17) ، وأنيبوا إلى ربكم.. الآية( لاختلاف الحالين، وبيان ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت