حقيقة الإيمان نفسه دائرة بين الخوف والرجاء.
يقرر الإمام الشاطبي (10) هذه الحقيقة بقوله:"ومن هنا يتصور للعباد، أن يكونوا دائرين بين الخوف والرجاء، لأن حقيقة الإيمان دائرة بينهما".
والأدلة قد وردت في هذا الخصوص، من قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (( 11) وقوله عز وجل: (إن الذين آمنوا، والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله (( 12) وقوله جل ثناؤه: (أولئك الذين يدعون، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه (( 13) .
ج-وأما من حيث"الحكم"أو الوصف الشرعي، فإن الرجاء الإيجابي العامل- سواء أكان مسبوقًا بأداء أمانة التكليف، وإنفاذ تعاليم الرسالة، وتحقيق مثُلها العليا، في الواقع الحيوي المعيش، أم كان مقارنًا لذلك، أم لاحقًا له، وبما هو فرع عن العقيدة الصحيحة، وأمارة على صدقها، كما بينا، فإن هذا الرجاء الإيجابي العامل، مفروض و"مستجاب"من قبل الله تعالى، بمقتضى وعده، ولكونه جاريًا على سنن ثابت هو من وضع الله تكوينًا، ولكونه- آخر الأمر- من اللوازم الحتمية للإيمان نفسه، كما بينا، إذ لا يتصور خلو النفس الإنسانية المؤمنة، من الأمل المرجو في الله تعالى- مغفرة، ورحمة، وعونًا، وإنعامًا، وتوفيقًا، ونصرًا- حتى إذا خلت من هذه البواعث والآمال، كان مرد ذلك إلى أحد أمرين، أو كليهما:
أ-ضعف الثقة به سبحانه، أو الاستغناء عن الله- والعياذ بالله- وهذا ليس من صدق الإيمان في شيء، بل هو مما يناكره!
ب-لمكان اليأس والقنوط، أو مظنته (14) والخوف من عدم الغفران، للإسراف في الشر والإثم، وهذا قرين الكفر، كما أسلفنا، بصريح قوله عز وجل: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون(.