ثانيهما: أن مواطن الاغترار بالأماني الجوفاء، أو مظانه- كما يقول الإمام الشاطبي (4) - قد جاء فيها"التخويف"في القرآن الكريم على نحو"أغلب وأشد"وعلل ذلك بأن درء المفاسد آكد (5) ، فكانت"الأماني"إذن- وكما ترى- من المفاسد الواجب درؤها قطعًا، وذلك آية"الحرمة"التي تفسر لنا شدة التخويف القرآني من الوقوع فيها، بما هي أوهام، أو رؤى حالمة، أو غفلة عن الواقع الحي للمجتمع الإنساني، وعن سنن الله فيه!
وعلى هذا، يتبين لك الفرق حاسمًا بين مفسدة الأماني، وبين عقائدية الرجاء والأمل في الله تعالى، مصدرًا، على ما يقرره القرآن الكريم، كما رأيت.
ب-وأما من حيث"المفهوم"والحقيقة، فالرجاء- بما ورد في القرآن الكريم معقودًا بالعمل الصالح، ارتباط الشرط بالجزاء- كما قدمنا- يتضمن معنى"إيجابيًا"قوامه الأمل المستبشر معقودًا بالعمل الجاد الصالح: الأمل في الله تعالى- فرعًا عن الإيمان الصادق- والاستبشار بوعده، عز وجل، والاستيقان بإنجاز ما وعد، والوفاء به، مصداقًا لقوله سبحانه: (ومن أوفى بعهده من الله!! فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به (( 6) .
على أن هذا المفهوم القرآني للرجاء، ليس استبشارًا خالصًا، بل هو مشوب بالخشية من الله وقارًا، لإيمان المسلم بحتمية لقاء ربه يوم الحساب!!
يرشدك إلى هذا، صريح قوله عز وجل: (والذين يؤتون ما أتوا، وقلوبهم وجِلة، أنهم إلى ربهم راجعون (( 7) . وقوله تعالى في تضمينه"الرجاء"معنى الخشية: (ما لكم لا ترجون لله وقارًا (( 8) فلم يخلص الرجاء- كما ترى- لمعنى الاستبشار!!
هذا، ويستقر معنى الخشية في مفهوم"الرجاء"في القرآن الكريم بتأكيد حلول أجل هذا اللقاء، حتمًا، في مثل قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء الله، فإن أجل الله لآتٍ (( 9) . على سبيل التأكيد، من دخول اللام على خبر أداة التأكيد.
على أن هذا هو شأن الإيمان نفسه، من أنه دائر بين الأمل والخشية، على ما قرره القرآن الكريم، وبيان ذلك: