نتناوله بالبحث والتفصيل فيما يلي:
الفرق الحاسم بين كل من الرجاء والأماني، في المفهوم القرآني، مصدرًا، ومفهومًا، وحكمًا.
أ-أما مصدرًا، فلأن الرجاء في الله عز وجل، وحسن الظن به، نابع من معين العقيدة نفسه، معقود بالعمل، أساسًا له، أو شرطًا فيه، بصريح منطوق النص- كما أشرنا- فكان"الرجاء"لذلك، أمرًا عقائديًا، فضلًا عن كونه عملًا إيجابيًا بناء منتجًا، في آن معًا.
أما آية كونه عقائديًا في المقام الأول، فذلك لأنه أمر تستلزمه طبيعة الاعتقاد نفسه، والإيمان بوجوده سبحانه، استلزامًا حتميًا، إذ ليس من المتصور عقلًا، أن يكون ثمة اعتقاد، أو إيمان صادق بالله عز وجل، دون رجاء فيه، أو حسن ظن به، أو أمل مستبشر في عونه، ونصره، وغفرانه! وإلا كان"الاستغناء"عن الله تعالى- والعياذ بالله- وهو سبب شِقوة الحياة، كما بيَّنا، ولأن"الاستغناء"لا يجتمع مع صدق الاعتقاد، للتنافي.
يدل على هذا، أن القرآن الكريم جعل التضرع إليه سبحانه- ولا سيما إبان الأزمات الضوائق والمحن- آية صدق العبودية له، مصداقًا لقوله عز وجل:"فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون!"وقوله سبحانه- في وقعة بدر الكبرى، حين ادلهم الخطب، وعظُمت الكوارث، واشتد القتال، وحمي الوطيس- يصف حال المؤمنين في موقفهم الحاسم: (إذ تستغيثون ربكم، فاستجاب لكم( فكانت"الاستجابة"وهي النصر- عقب الاستغاثة، لأنها دليل حقيقة العبودية لله جل شأنه، بل ترى القرآن الكريم، ينعى على الذين لا يتضرعون إليه، وقت الشدة، ولا يلجأون إلى ربهم ليكشف ما حل بهم من أرزاء، في مثل قوله تعالى: (فما استكانوا لربهم، وما يتضرعون( ولا ريب، أن الاستكانة لله سبحانه، واللجوء إليه، تضرعًا، مظهر للعبودية الصادقة، ولا مرية أن العبودية من صميم الاعتقاد بوجود المعبود، وحسن الظن به، وذلك دليل كون الرجاء- والتضرع أبلغ من الرجاء معنىً- اعتقاديًا في المقام الأول.