وبذا يقف نشر الكتاب مصورًا عقبة في طريق نفر من العلماء يغارون على النص التراثي وقدسيته، فيترددون كثيرًا في بذل الجهد في تناول العمل في تحقيقه من جديد ونشره، لأن السوق زاخرة ملآنة بالنسخ المطبوعة بالتصوير، والعملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، كما يقال. وأمر آخر قد يعوق هؤلاء، وهو أن دور النشر حين تكون غايتها الربح والاتجار لا تتحمس كثيرًا لنشر نص أعيد تحقيقه وبين يديها الجاهز الذي ييسر لها أسباب الربح عن أقصر طريق، لأن النص المحقق الجديد يكلفها من العناء في الإخراج والطبع والبذل في التكاليف ما هي في غنى عنه.
الناحية الثانية: النص الذي يمس نشر الكتاب التراثي الذي استكملت فيه مناهج التحقيق العلمي ووسائله. فالعاملون في هذا الحقل في زماننا جنود مجهولون وهم قلة فالعمل في التحقيق يستلزم الكثير من الجهد والعناء والوقت والصبر، يتجاوز هؤلاء هذا حتى إذا ما أنجزوا عملًا ينتظرون الجزاء بدفعه إلى دور النشر لتتولى طباعته وإخراجه إلى الناس، فلا يجدون إلا حماسًا فاترًا، وذلك لأن نشر النص المحقق يحتاج إلى نوع خاص من الإخراج المطبعي يتميز عن غيره من أنواع الطباعات المعتادة، وهذا يكلف دار النشر أضعاف ما تكلفه طباعة كتاب غير تراثي، أو كتاب يصورونه تصويرًا، تتلكأ دار النشر في قبول العمل واعتماده، وتعتبر أنها إذا ما تبنته ونهضت به قد أقدمت على مجازفة، إذ لا بد أن يكلفها ذلك المبالغ المضاعفة أضعافًا، فهناك دفع نصيب المحقق وهنالك تكاليف الطباعة على الوجه المناسب والمطلوب في طباعة الكتب التراثية وإخراجها إلى الناس، إذن فالانصراف إلى الاجترار وإعادة الطبع بالتصوير أيسر وأسلم وأكثر ربحًا ولا شأن لدور النشر في الجهد والعناء والبذل والمجازفة.