وأنت ترى في مفعوليْ هذه الأفعال جواز كونهما مبتدأ وخبرًا. وقد أتى ابن سيده بأفعال ليس مفعولاهما في الأصل كذلك. فذكر (أستغفر الله ذنبًا) وأصله من ذنب، و (أمرتك الخير) وهو على تقدير بالخير. قال سيبويه: (وليس أستغفر الله ذنبًا وأمرتك الخير كثيرًا في كلامهم جميعًا. إنما يتكلم به بعض العرب. وليس كل ما كان متعديًا إلى الفعل بحرف جر، جاز حذفه، إلا ما كان مسموعًا) .
وجرى ابن هشام في المغني على هذا فجعل إسقاط الجار هاهنا سماعًا، واستثنى: استغفرت الله ذنبًا، فجعله من غير باب- أمرتك الخير- أو- اختار موسى قومه، خلافًا للأكثرين. إذ رأى أن- أستغفر- أصله غفر المتعدي إلى واحد. فأدخلت عليه السين والتاء الدالان على الطلب فنصب مفعولين. أما قولهم: استغفر الله من ذنب، فإنه على تضمنه معنى (استتابه من ذنبه) . قال ابن هشام في المغني (2/113) :"وإنما جاء استغفرت الله من الذنب لتضمنه معنى استتبت. ولو استعمل على أصله لم يجز فيه ذلك. أما قول أكثرهم أنَّ استغفر من باب اختار أو أمَر- فمردود)."
ولكن ألم يقل جماعة بالقياس في جانب مما يشتمل عليه هذا الباب؟
أقول من العلماء من أجاز حذْف الجار قياسًا إذا تعين الجار، وهو مذهب الأخفش الأصغر. فقد جاء في شرح الكافية للرضي (1/273) : (والأخفش الأصغر يجيز حذف الجار مع غيرهما أيضًا- أي مع غير أنّ وأن- قياسًا، إذا تعيّن الجار، ولم يثبت) . وقد خالف الأخفش الأكثرون كما أسلفنا. قال صاحب الكليات (325) : (وإذا تعدّى الفعل بحرف الجر لم يجز حذفه مع غيرهما إلا إذا كان المجرور- أنّ وأن- المصدريتين. فحذفه جائز باطّراد، ولا يجوز حذفه مع غيرهما إلا سماعًا) ، وعليه الجمهور.