أقول قد أكد الزمخشري تعدّي (شكر) فقال في الأساس: (شكرت لله تعالى نعمته، واشكروا لي، وقد يقال شكرت فلانًا يريدون نعمة فلان) . وقال: (وتشكرت له ما صنع) . فدلّ هذا على أن قولهم (شكرت له) إنما هو على حذف المفعول، واللام فيه أصلية. أما (نصح) فالأكثرون على أن (نصَح له) هو الفصيح. ولكن معنى النصح كما أورده صاحب المفردات هو تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، ونصحت له، أصله، كما قال، نصحت له الود أي أخلصته، وهذا من نصحت الجلد إذا خطته. والغريب أن يجعل الزمخشري نصَحَ الخياطُ الثوبَ مجازًا من النصح الذي هو إبداء النصيحة، والعكس هو الصحيح طبيعة. قال الزمخشري (ونصح الخياط الثوب إذا أنعم خياطته ولم يترك فيه فتقًا ولا خللًا، شبّه ذلك بالنصح) . وعندي أن نصح الثوب هو الأساس، ونصح الودّ هو المجاز، وقد أشار إليه صاحب المفردات حين جعل الأول أصلًا كما أكده صاحب المقاييس. وعلى هذا يكون (نصحت له) كـ (شكرت له) على حذف المفعول، و (ونصحته) كـ (شكرته) على حذف المضاف. والنصح كالشكر إنما هو في الأصل للشيء. ولكن إذا صح أن الأصل هنا هو التعدّي فليس يصح هذا فيما جاء من الباب الرابع على معنى اللزوم الذي نبه عليه الرضيّ نفسه.
ومن أمثلة الحذف والإيصال ما يبدو فيه الفعل متعديًا إلى مفعولين بعد حذف الجار. قال ابن سيده في المخصص (14/70) : (فأما القسم الذي يتعدى إلى المفعول الأول بوسيط، فقولهم: اخترت من الرجال زيدًا، ثم تحذف منه فيقال: اخترت الرجالَ زيدًا. وفي التنزيل: واختار موسى قومه سبعين رجلًا. وهذا القسم هو ما نعترض ونعنى بإحصائه وتعليله، إذ كان بابًا غير مطّرد، وإنما يقصر فيه، على المسموع) . وقد مثل ابن سيده لهذا بأفعال أخرى منها (سمّاه وكنّاه ودعاه) في قولك سمّاه زيدًا وكناه ودعاه كذا، والنية فيها حرف الجر، تقول سميته بزيد وكنيته ودعوته بكذا.