أما (أنف منه) فقد جاء بمعنى استنكف وتنزه وغضب وحمي، وجاء (أنفه) بمعناه أيضًا، فقالوا ( أنفت الذلّ والضيم) فهو إذًا على حذف الجار كجزعت منه وجزعته. لكنه اتفق (أنفه) بمعنى (كرهه) ، وأعدل ما يخرّج به أنه على تضمين (أنف منه) معنى (كرهه) . ذلك أن (أنف) كما ذكروا قد اشتقّ من (الأنف) . ففي المقاييس (وأما قولهم أنف من كذا فهو من الأنف أيضًا. لأنه يقال شمخ بأنفه يريد رفع رأسه كبرًا) . وقال المرزوقي في شرح الحماسة (339) :"ونسب الأنفة إلى الأنف، كما نسب الحمية إليه. ويقال هذا أحمى أنفًا من فلان، وآنف أنفًا منه، وحسن في الكناية عن الإباء والتصوّن". فمعنى (أنف) إذًا على الاستنكاف والإباء. فإذا استعمل بمعنى (كرهه) فقد عُدل به إلى التضمين وغدا أنفه بمعنى: أنف منه كارهًا له. قال ابن منظور: (أنف الطعام وغيره أنفًا كرهه) ، وقال: (أنفت فرسي هذه، هذا البلد اجتوته وكرهته) . والكراهية غير الترفع والتكرم، وغير الإباء والاستنكاف، ولو تسبّب أحدهما عن الآخر وكان تاليًا له أو جاريًا في إثره حينًا. أقول هذا، ولو أن بعض الأئمة قد تجوّز فجعل (أنف منه) كرهه، كما أورده صاحب اللسان، أو جعل الإباء هو الكراهية، كما فعل ابن القوطية، وكلّه تسمّح. فقد تكره الشيء فتأباه، لكن الإباء غير الكراهية. فإذا أبيت الضيم فإنك تمتنع من الصبر عليه فتتصوّن عن المذلة ولا تغمض على قذى أو تقيم على صغار. وهذا غير الكره.