فقال المرزوقي في شرح الحماسة (109) :"وقوله تنحوا أن ينالهم أي تنحوا من أن ينالهم ومخافة أن ينالهم. فلما حذف- من-.. وصل الفعل فعمل. وعلى هذا قولهم: تحصَّن فلان أن يُطلب، أو قوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلّوا- النساء/175".
أقول قد ذهب الأئمة في تخريج هذه الآية ثلاثة مذاهب. الأول: على تقدير يبين لكم ضلالكم، والثاني: يبين لكم الحق مخافة أن تضلوا، والثالث: لئلا تضلوا، وهذا الأخير قد ذهب إليه الكوفيون. وقد فصّل المسألة أبو البقاء في إعراب القرآن، والبيضاوي في تفسيره. وعندي أن هناك وجهًا سائغًا في طرائق العربية، شائعًا في تصرف كلامهم، هو أن يُحمل القول على المعنى بتضمين (يبيّن) معنى (يحذّر) على تقدير (يبين لكم الحق محذرًا أن تضلوا) فلا تتعرفوا ما شُرع. فيكون الكلام على حذف (من) قبل (أن) . وهكذا خُرّج قوله تعالى (ويمسك السماء أنْ تقع على الأرض- الحج/65) على حذف (من) قبل (أن) أو حذف مضاف تقديره- كراهة- كما جاء في البيضاوي.
هذا وقد عرض الأستاذ محمد العدناني فيما يُعده لكتابه (عثرات الأدباء) في مجلة الأديب، لقول القائل (لا بد لفلسطين أن تعود إلى أصحابها) فاستصوب فيه حذف- من- قبل- أن- وقال: (أما إذا جاء المصدر صريحًا فإننا مضطرون إلى إعادة حرف الجر نحو: لا بد لفلسطين من العودة إلى أصحابها) . ولا غرو في هذا ولا ملام. لكن العجب أن يقول (وممن ذكر جملة لا بد من كذا، الصحاح ومقاييس الغة والمختار واللسان والمصباح والتاج... وزاد محيط المحيط جملة أخرى هي لا بد أن يكون كذا) !! ولست أدري ما حاجة الأستاذ إلى نص معجمي يحتكم إليه في صحة هذا الحذف ويستظهر به على سداد قول القائل: (لا بد أن يكون) إذا كان يعلم أن حذف الجار قياس لا ينكسر قبل (أنّ وأن) كما نصت عليه الأمهات؟