وقد نحا الأستاذ هذا النحو في كتابه (معجم الأخطاء الشائعة) فمثل لتعدّي (تعهّد) بنفسه، بقوله: (وتعهدت له أن أزوره) ، وليس مثاله هذا صريحًا بتعدية الفعل بنفسه لجواز حذف الجار قبل- أن- قياسًا. وقد أشرنا في مقال آخر إلى أن استعمال (تعهّد) بهذا المعنى، حملًا على تضمينه معنى (التزم أو ضمن أو كفل) ليس صحيحًا، لأن الفعل ها هنا قد أكسب معنى غير معناه، والتضمين إكساب الفعل معنى إلى معناه!
ولنعرض للموضع الثاني لحذف الجار قياسًا وهو التضمين. والتضمين أن تشرب الفعل معنى فعل آخر فيضم إلى دلالته دلالة هذا الفعل الذي أشرب معناه، وينزل منزلته في التعدية أو اللزوم. فإذا ضُمّن فعل لازم يتعدى بالحرف معنى فعل متعد بنفسه حُذف الجار الذي كان وسيلته إلى التعدية. قال ابن هشام في المغني حول ما يتعدى به الفعل القاصر-أي اللازم - (2/114) :"وذلك قولهم لا آلوك جهدًا، لما ضُمّن معنى لا أمنعك، ومنه قوله تعالى: لا يألونكم خبالًا- آل عمران/118". فـ (ألا يألو) بمعنى قصّر فعل لازم في الأصل، لكنه ضُمّن معنى (منع) المتعدي فأصبح يضم إلى معناه معنى (منع) ، وغدا يتعدى تعديته، فقيل لا آلوك جهدًا، أي لا أقصر فأمنعك جهدًا. والأكثرون على قياس التضمين إذا استوفى شرطه. وقال النابغة:
إذا تغنّى الحمامُ الوُرق هيّجني
ولو تعزيت عنها، أمَّ عمار
قال المرزوقي في شرح الحماسة (315) :"قال هيجني أمَّ عمار لأنه تصوّر هيجني أنه ذكّرني فعدى تعديته". فـ (هيّج) يتعدّى إلى مفعوله الثاني بـ (إلى) ، وقد تعدّى في بيت الشاعر بنفسه بعد حذف الجار لتضمينه معنى (ذكّر) .
وقد أضاف بعض النحاة إلى قياس الحذف في باب التضمين وقياسه قبل (أنّ وأن) قياسًا للحذف في بابي المفعول له والمفعول فيه، على أن تراعى الضوابط المحددة في كل باب، كما ذكره الرضيّ.