وتفصيل ذلك وبيانه أن الجار يحذف قبل (أنّ) المفتوحة مشددة ومخففة، وقبل (أن) الخفيفة موصولة بالمضارع أو الماضي. وهو لا يتعداهما إلى (إنّ) المكسورة لأنها لا تقع إلا مبتدأة أو في حكم ذلك، فلا يتقدمها جار. قال الخليل فيما رواه الليث كما جاء في اللسان (وإذا كانت مبتدأة ليس قبلها شيء يُعتمد عليه أو كانت مستأنفة بعد كلام قديم ومضى، أو جاءت بعدها لام مؤكدة يعتمد عليها، كسرت الألف، وفيما عدا ذلك تنصب الف) .
فأنت تقول في (أنّ) المفتوحة المشددة التي تقع مع صلتها موقع الاسم الواحد، في تأويل المصدر: (لا شك أنك عالم، ولا بد أنك ذاهب، ولا محالة أنك آتٍ) وأصل الكلام لو قلته على المصدر: (لا شك في علمك ولا بد من ذهابك ولا محالة من إتيانك) ، فظهر بذلك أنك حذفت الجار قبل (أنّ) . وكذلك قولك (لا جرم أنك عظيم) ، قال الكوفيون في قوله تعالى، لا جرَم أنَّ لهم النار- النحل/26، جرم اسم لا وهو بمعنى لا بدّ ولا محالة، وأنّ، على تقدير من، أي لا جرَمَ من أنّ لهم النار، كما فصّله (الجنى الداني) للمرادي.
وأنت إذا قلت (أحلف بالله أنك صادق) بفتح- أنّ- كان التقدير على حذف- على- المتعلقة بفعل القسم، أما إذا كسرت- ان- فعلى أنها جواب القسم، كما في (الجنى الداني) .
وتخفف (أنّ) هذه وتقع موقع العلم أو اليقين أو الظن الغالب فتدخل على جملة فعلية أو اسمية فلا يتغير حكم الحذف قبلها. تقول: (بشّرني فلان أنْ قد نجا صاحبي) و (دريت أن ستتم عمارة المسجد هذا العام) ، بحذف الباء في كل منهما، كما تقول في التشهد: (أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله) بحذف الباء عند من قال ببقاء الفعل على تعديته بالباء، ولو أنْ معناه (أعلم) كما جاء في مفردات الراغب.