فهرس الكتاب

الصفحة 6010 من 23694

على أن الخليفة -أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- قد جلَّى هذا المعنى في أول بيان سياسي أصدره، غداة بويع بالخلافة، وهدم به أصل القوة، حتى لا تكون هي العدل، أو أن ترتقي إلى مستوى التحكم في الموازين السياسية، أو العلاقات الدولية، بحيث تفرض وجودها وحكمها على الضعفاء فرضًا قاهرًا مهيمنًا في شؤون السياسة والحكم، بل القوة هي -في نظر الإسلام- مجرد وسيلة، لاحقاق الحق، وتنفيذ مقتضى العدل، وإنقاذ المستضعف، إذا انتابه البغي، ورد اعتباره، ورفعه إلى مستوى إنسانيته، ليظفر بحقه المستلب، كغيره من الشعوب القوية، فكانت القوة إذن لإزالة"الكبرياء"في الأرض، ومكافحة المتسلطين فيها، والمتجبرين، وهدم مظاهر الغطرسة والهيمنة الدولية الباغية، وإلا فبأي شيء تُزال مظاهر هذه القوى العاتية؟! إن"القوة"-في الإسلام- سند للحق والعدل، ولا تتعدى طورها، أو تناكر طبيعتها، أو تنحرف عن غايتها، لتصبح هي في ذاتها، غاية مرسومة، لا تتطلب عدلًا آمرًا، أقول: يجليّ هذا المعنى أبو بكر الصديق- في بيانه السياسي الذي أصدره معلنًا على الأمة، إبَّان توليه الخلافة، بقوله:"القوي فيكم ضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي، حتى آخذ الحق له"فالقوة -كما ترى- لكسر شوكة القوي الظالم، وتمكين الضعيف من الظفر بحقه المسلوب!!

ح- هذا، وما يستقرُّ في اعتقادي، أن"القوة"في مفهوم السياسة الوضعية التي انحدرت ميراثًا من الفكر السياسي الميكيافيلي وما دار في فلكه، من السياسات، هي التي أطلق عليها القرآن الكريم، لفظ"الطاغوت"في مثل قوله سبحانه: (الذين آمنوا، يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان، كان ضعيفًا"وفي هذا دليل على أن ممارسة القوة بهذا المعنى طغيان وكفر!!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت