فهرس الكتاب

الصفحة 6008 من 23694

وتأسيسًا على هذا، انهارت مبادئ السياسة الميكيافيلية، وما دار في فلكها من سياسات، أمام"وحدة الغاية والوسيلة"في المفهوم السياسي الإسلامي، فكان الركون إلى وسائل الكذب، والخداع، والمراوغة، بل و"الوحشية"و"البربرية"- على حد تعبير رواد الفكر السياسي الحديث- أمرًا منافيًا لمبادئ الإسلام رأسًا، ويجلِّي ابن خلدون هذا المعنى، حيث يقول ما نصه"وأما من حيث هو إنسان، فهو إلى خلال الخير أقرب، والمُلك والسياسة، إنما كان له من حيث هو إنسان، لأنها خاصة للإنسان، لا للحيوان، فإذن خلال"الخير"هي التي تناسب السياسة والملك (18) ".

هذا النظر السياسي، عند ابن خلدون، وعند الإمام الغزالي، والإمام الماوردي، المشتق من تعاليم الإسلام -يتنافى -كما ترى- وأصول الفكر الميكيافيلي بداهة -كما ذكرنا- كما تتنافى ونظرَ الفيلسوف السياسي الإنجليزي"هوبز"الذي يذهب مذهب أستاذه الفكري ميكيافيلي، حيث يرى -من وجهة النظر الواقعية المشتقة من بيئته هو -أن"الفطرة البشرية مجبولة على الشر المحض الذي لا مكان للخير فيه، إذ يقول:"إن الإنسان، كائن، شرير، حافلٌ بالنقائص، جَبانٌ، خبيثٌ، تدفعه المصلحة الذاتية، وتتحكم فيه الغرائز الأولية، من أنانية، وجشع، وهو لا يُذعن إلا إذا خاف، ولا يُضحي بمصالحه إلا مرغمًا، ولا يحب السَّلام للسلام، بل فزعًا من نتائج الحرب""

ثم ينتهي إلى القول:"والحياة إذن مجالٌ"للقوة الباطشة"بالنسبة إلى الأقوياء، وللخداع والمكر، والتحايل، بالنسبة إلى الضعفاء (19) "

ولعل هذا النظر، مستقى من بيئة الفيلسوف"هوبز"حيث انعدمت فيها"الهداية الإلهية"فكان مجتمعه على النقيض من المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، في عهد الرسالة -على سبيل المثال- حيث صاغ الإسلام ذلك المجتمع على نحو إنساني، مثالي حقًا، لم يشهد العالم له مثيلًا من قبل، ولا من بعد، دون مبالغة، أو غلو‍

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت