هـ-يرسي الإسلام أصول الأخلاق التي لا تنفصل عن أصول فلسفته السياسية مطلقًا، لوحدة التشريع الآمر فيهما- كما أشرنا آنفًا- وهو ما استقر في الفكر السياسي عند الإمام الغزالي، وابن خلدون، والماوردي، وسائر رواد الفكر السياسي الإسلامي، والقرآن الكريم، يشير إلى أن"أصول الأخلاق الثابتة، والخالدة، مرهونة أصلًا، بالبصيرة، أو"الحاسَّة الفطرية في الإنسان"مصداقًا لقوله تعالى: (بل الإنسانُ على نفسه بصيرةٌ، ولو ألقى معاذيرهُ( أي لن يغني الإنسان انتحاله للأعذار والمبررات، فتيلًا، إذا ما انحرف عما تقضي به تلك البصيرة:"ولو ألقى معاذيره"."
هذا، والبصيرة قوة ذاتية معنوية، فطرية، مركوزةٌ في الإنسان، من شأنها أن تُقدِره على التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والحكمة والهوى، والنفع والضر، والفجور والتقوى، وهي فطريةٌ أصيلة، لأنها تضمن"الثبات والخلود لماهية الفضيلة"، أن تنتابها عوامل التغيير البيئية، والتقاليد الموروثة، أو تتعاورها كثرةُ طُروِّ الأعراف، وتغايرها، وتباين البيئات، لأن"حقائق الأشياء لا تتبدل"فكانت ثابتة أصيلة في جوهرها، ثبوتَ الفطرة نفسها، ولذا، كانت جدارة الإنسان بالسياسة مُنطلقُها -في الإسلام-"ما صدقاتُ التقوى"فكان معيارها فطريًا أصيلًا، وأمرًا طبيعيًا، فضلًا عن كونه شرعيًا، ومن هنا، ثبت أن"الملك أو السياسة"أمر طبيعيٌّ للإنسان الكامل، وهو مؤدى عبارة ابن خلدون، إذ يقول ما نصُّه"لما كان المُلكُ طبيعيًا للإنسان، لما فيه من طبيعة الاجتماع، كما قلنا، كان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر، بأصل فطرته، وقوته الناطقة العاقلة" (16) .