آ-إن الباحث المتعمق في النظريات السياسية الوضعية، أو"الفكر السياسي بوجه عام"يمكنه أن يستخلص منها، أن تلك"المعايير"أو"الموازين"التي اصطنعتها السياسات الدولية- ولا سيما في هذا القرن- قد انحدرت إليها"ميراثًا"فكريًا مقدسًا- كما ذكرنا- من مفاهيم السياسة"الميكيافيلية"التي كانت -في واقع الأمر- ردَّ فعل لحصيلة المشاهدة، والتجربة السياسية التاريخية، فضلًا عن الواقعية في عصره، بما كان لها من أثر في نفسية ميكيافيلي، فقد مرّ هو بتجارب سياسية قاسية في بلاده"إيطاليا"يوم أن كانت مقسَّمة إلى دويلات يدبُّ بينها الشقاق، وتحاك لها المؤامرات حتى غدت في حالات من الضعف السياسي الشديد، لا توصف!
ب-على أن"ميكيافيلي"لم يُقم أفكاره على مبادئ متكاملة، أو براهين وأدلة منطقية عقلية، أو نظرية تامَّة، وإنما جاءت أفكاره -كما قلنا- ثمرة لتجارب واقعية قاسية قد عاشها، فهو معنيٌ بتصوير الواقع الظالم- على أنه هو الأصل- ويحاول تغييره بالأسلوب عينه، من الظلم، والقهر، والتسلط، والذرائع غير الإنسانية، ولا يفكر أن يعالجه، ليرتقي به إنسانيًا، وما كانت الأفكار السياسية الموضوعية يومًا، حصيلة لردود فعل في نفسية معقدة، أو أنها كانت ثمرة للواقع المشاهد على علاته، بل السياسة -كما رأينا عند الغزالي- لحمل الناس على مراشدهم، وكما يقول الإمام ابن خلدون:"لحمل الناس على مقتضى النظر الشرعي".
ولا يخفى ما في معنى"الحمل"من إرادة تغيير الناس عما هم عليه، ولو قسرًا، ليستقيم بهم الأمر، لذا، رأى ابن خلدون، أن"الإنسان"هو الجدير بالسياسة، لكونه إلى خلال الخير أقرب، بحكم ملكاته العليا، كما أشرنا.