ونحن -إزاء هذا- لا يسعنا إلا أن نشير- ولو بإيجاز شديد- إلى أصول السياسة الميكيافيلية، باعتبارها تراثًا مقدسًا لدى أبرز ساسة وقادة القرن العشرين، والمسؤولة عن نتائج الحرب العالمية الثانية، وقد وصفت بأنها"سياسة واقعية"لا نظرية، ولا مثالية، ولكنها تعبير حي عن المطامع، والأهواء، لدى الدول القوية، ولدقته في هذا الوصف قد رفعته إلى أن يوصف، بأنه"علَمٌ عالميٌ خالد"ثم نعقد مقارنة مجملة -بقدر ما يتسع المقام- بينها وبين أصول الفكر السياسي الإسلامي لدى أهم رواده:"الغزالي والماوردي، وابن خلدون"ونشرع في عقد هذه المقارنة على الوجه التالي:
آ-إن"ميكيافيلي"-كما هو معلوم- يفصل السياسة عن الأخلاق، بل وعن الدين جملة، فصلًا تامًا، وحاسمًا، وما زالا منفصلين في معظم سياسات العالم التي تدور في فلك الفكر السياسي الميكيافيلي -عملًا وممارسة- ولا أخال أنهما سيلتقيان!
ب-ابتداع ميكيافيلي لفكرة"الفضائل السياسية"بديلًا عن"الفضائل الأخلاقية"و"تعاليم الدين السامية"فالسياسة"الواقعية"-في نظره- فن قائم بذاته، وذات ميزة خاصة، فإذا كانت"السياسة"-في نظره وفي الواقع الذي عاشه- إنما تعني"فن الكذب السياسي، والمراوغة، بل وتقضي باتخاذ الوسائل الوحشية، والبربرية، إن اقتضت الأحوال ذلك"فإن"فضائل السياسة"من هذا القبيل، بل هذا هو الأصل العام في فلسفته السياسية الواقعية.
جـ-أما"الفضائل الأخلاقية"فإنما تتخذ مجرد وسائل أو"ذرائع"سياسية استثناءً، شريطة أن توصِّل إلى الغرض المنشود، وأن تعجز الوسائل الأصلية الأخرى عن تحقيقها، أو بعبارة أخرى، ليست"الفضائل الأخلاقية"مقصودة لذاتها، في مثل هذه الحال، بل لكونها مضمونة النتائج، تعجز الفضائل السياسية عن تحقيقها في ظروف معينة.