إن دعوى فيثاغورس القديمة تفقد هكذا قيمتها التاريخية، لتبدو مكانها قيمة البرهان الأصيل الذي حدسه بوليغان، وهو البرهان الذي كان ينبغي أن يتم من الوجهة المنطقية في التاريخ قبل أي برهان آخر. ذلك أننا نرى في هذا البرهان الأصيل المنطقي خاصية المثلث القائم في ذات المثلث القائم دون الحاجة إلى أي مضلع آخر. وهو برهان منطقي متى أدركناه وعيْناه فورًا، وهيهات من بداهته وسرعته استغلاق البرهان التاريخي وبطؤه. ... وإن تشأ فهو بالصادات يكتتب
إن الزمن المنطقي ذو سرعة مستحبة وكأنها ذات نشوة. إننا نتذوق به لذة التفكير العقلي الصرف الفعال. نحن هنا إزاء هذا النسق العقلي ندرك أفواج الأشكال المتتالية في لحظة مختصرة من الزمان حين نبلغ في هذا الشأو إلى حدس الأمور الاستنتاجية.
ذلك أنه تلزمنا معرفة طويلة استنتاجية حين نتأمل الشكل (14) ونستعرض مختلف الأشكال التي تتعاقب في خيالنا عند تأملنا هذا الشكل.
وإلا لو اقتصرنا على مجرد الملاحظة لما تجاوزنا موضوع البديهية المشهورة القائمة إن الكل يساوي مجموع الجزأين. يلزمنا إذن تفكير مليّ وطويل لكي ندرك أن المثلث القائم الزاوية المرسوم فيه ارتفاعه يحمل في تضاعيفه بزرة الخاصية الفيثاغورية صرفًا تامة خالصة. وكأنما متى أدركنا فلقتي هذه البزرة في جزأي المثلث الحاصلين بمد الارتفاع طالعتنا من ورائها أفواج الأزهار المتنوعة التي تزهر بها تلك النظرية.
ومتى اعتبرنا جملة الأفكار الحاصلة من هذه النظرية ابتداء من البرهان الأصيل البسيط رأينا أن الشرح الرياضي ليس تبسيطًا وإنما هو تعقيد، إذ نستطيع بالاستناد إلى ذلك البرهان البسيط أن نحل مجموعة من المسائل يزداد تعقيدها واشتباكها شيئًا فشيئًا.