ولقد أبان الفيلسوف الألماني اشبنغلر بوجه الخصوص علاقة الرياضيات بالحضارة وذلك في الفصل الذي عقده عن معنى الأرقام. فكل حضارة تتضمن طرازًا من الرياضيات معينًا لأن الرياضيات عند هذا المفكر علم ذو منهج دقيق كالمنطق ولكنها أوسع نطاقًا منه وأكثر خصبًا، ولأن الرياضيات ثانيًا عنده فن صرف يضعها إلى جانب الفنون التشكيلية والموسيقى وذلك بالنظر إلى حاجتها للإلهام الموجه وإلى المصطلحات الشكلية التي يتضمنها نموها، ولأن الرياضيات ثالثًا وأخيرًا فلسفة وميتافيزياء عالية كما أوضح أفلاطون قديمًا وكما أوضح ليبنتز.
ولهذا كله يبرز اشبنغلر المعاني المختلفة التي يجدها للرياضيات في الحضارات المتفرقة المختلفة ويقرن تكاملها بأوج تكامل بعض الفنون في تلك الحضارات وهذا مدعاة للرياضي إلى التأمل والتفكير والاستفادة.
لا غرو أن تتطور أصول البرهان مع تطور العلم وإن بقي خلال هذا التطور محافظًا على صفته العقلانية الضرورية المبرمة.
لقد نوه العلماء بقيمة البرهان في العلم حتى أنهم سووه به رغبة منهم في الوصول إلى اليقين فلقد قالوا: إن البرهان هو العلم منظورًا إليه في أدواته وإن العلم هو البرهان منظورًا إليه في نتائجه وثمراته. ومع ذلك فيصح لنا عند النظر في تطور الرياضيات أن نقول أن العلم هو البرهان منظورًا إليه في أسلوبه أو في طريقته أو أن البرهان هو المحاكمة العقلية السليمة.
للبرهان الرياضي أنواع عدة. فهنالك البرهان الرياضي النظري بشكليه التركيبي والتحليلي. أما التحليلي فإما أن يكون مباشرًا أي تفرض المسألة فيه محلولة وإما أن يكون غير مباشر ويدعى هذا برهان الخلف حيث يظهر امتناع نقيض القضية التي يراد إثباتها.
وأما التركيبي فهو استنتاجي إنشائي تلزم فيه النتيجة عن المبادئ بالضرورة.
وهنالك أنواع أخرى للبرهان كالبرهان الاستقرائي. وأيًا كان الأمر فإن هذه البراهين نظر إليها الفلاسفة واعتبروها خارجية.