ثم إن التفريق بين الرياضيات التطبيقية والرياضيات البحتة يبدو غير دقيق في بعض الاعتبارات. كانت الهندسة تعد من الرياضيات البحتة مع أنها تتناول المكان الطبيعي أو الفيزيائي وأصبحت اليوم معدودة من تطبيقات تلك الرياضيات. وعلى العكس كان حساب الاحتمال معدودًا مدة طويلة في الرياضيات التطبيقية وغدا يعد في الرياضيات البحتة منذ أقامه الرياضي السوفياتي أندري كلموغوروف Andrei Kolmogorov على مصادرات عام 1933.
ثم تداعى التعريف التقليدي للرياضيات نحو منتصف القرن التاسع عشر. كتب الرياضي الإنكليزي جورج بول George Boole (1815-1864) في كتاب له بحث فيه قوانين الفكر وطبق فيه الرياضيات على المنطق ما معناه أن الرياضيات ليس من خصائصها الاشتغال بالعدد ولا بالكمية وإنما هي دراسة طرق المحاكمة والبرهان. ولا شك أنه نشأ رياضيون في ذلك العهد في أمم أخرى اتجهوا مثل هذا الاتجاه فدخلت الرياضيات في المنطق أو دخل المنطق في الرياضيات.
وفي سنة 1874 أوضح الرياضي الفرنسي جان غاستون داربو Jean Gaston Darboux (1842-1917) أن من قضايا الرياضيات الأساسية التقيد بقانون مزدوج وهو تحديد الفروض التي يستند إليها الرياضي وتعريفها تعريفًا دقيقًا ثم الاقتصار على ما هو ضروري منها في بناء النظرية. وقد تأكد هذا الاتجاه الشكلي فكتب صديق لهذا الرياضي وهو رياضي أيضًا اسمه جول هيل Jule Houel (1823-1886) في عام 1878 ما معناه أن العلم المجرد ينبغي أن يبحث أول الأمر في الفروض هل هي متوافقة فيما بينها أي ليس بينها تناقض ثم هل يمكن رجع بعضها إلى بعض بحيث يكون لدينا منها أقل عدد ممكن. فإذا استطعنا أن نحقق ذلك أقمنا علمًا صحيحًا من الناحية العقلانية والتجريدية ولو لم ينطبق هذا العلم على مقتضيات الواقع التي تريد أن يمثلها ذلك العلم. هذا القسم المنطقي من العلوم الدقيقة هو ما ندعوه بالرياضيات الصرف (5) .