والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، وقد تعرض ابن خلدون إلى هذه العوامل بشكل أو بآخر ووصل في بعضها إلى حد لا بأس به من القرب من مقولات المعاصرين. فقد أشار في معرض بحثه حول العوامل الجغرافية إلى طبيعتها المركبة وإلى أثرها في تمركز السكان وتوزعهم وعامل التضاريس وأثر التربة، ففي الأقاليم التي يشتد فيها الحر يقل عدد السكان وفي الأقاليم التي يفرط فيها البرد يقل عددهم أيضًا في حين أنهم يكثرون في المناطق المعتدلة وتكثر معهم مظاهر العمران. كما أن التربة غير الصالحة لا تنبت زرعًا ولا عشبًا ويبين أن اعتدال الطبيعة والتربة يؤديان إلى الخصب والنماء وبالنتيجة إلى قيام العمران وتكاثر السكان. ومن الملاحظ أن مدلول اعتدال الإقليم عند ابن خلدون لا يدل على اعتدال المناخ بل يشمل عددًا من التوافيق التي تدل على الطبيعة المركبة للعامل الجغرافي. وما سمي الإقليم معتدلًا عنده إلا لاعتدال حرارته وتربته وتوفر معادنه وموافقه تضاريسه وقد يشذ أحيانًا عنصر عن العناصر.
وبعد أن تكلم ابن خلدون عن التوزيعات السكانية على مستوى العالم انتقل في بحثه حول طبيعة العمران إلى تقسيم السكان إلى قسمين بدو وحضر تمشيًا مع المنهج الذي يقتضيه علمه الجديد العمران لأنه ينصب على دراسة العمران في المجتمعات القائمة سواء أكانت حضرية أم بدوية. وقد وضع معايير علمية في التفريق بين القسمين وهذا المعايير أقرب ما تكون إلى المعايير المعاصرة ونستطيع أن نلتمس ذلك من نصه الذي يعرف فيه العمران فيقول:"العمران هو التساكن والتنازل في مصر أو حله للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش"... ومن هذا العمران ما يكون بدويًا وهو الذي يكون الضواحي والجبال والحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرمال ومنه ما يكون حضريًا وهو الذي في الأمصار والقرى والمدن.