فهرس الكتاب

الصفحة 5938 من 23694

وفي معرض مناقشة الحرف العلمية وكونها كمالات نفسية وطاعة من الطاعات يشير ابن الدلجي إلى الآثار الاقتصادية للسكان حيث يبين أثرهم. فكلما كبرت المدن وازداد عدد سكانها كما ازدادت صنائعها ونفقت أسواقها وذلك خلافًا للقرى والمدن الصغيرة التي لا يوجد فيها كما يوجد في المدن الكبيرة بسبب قلة عدد سكانها.

ابن خلدون (732 ـ 808 هـ) :

يتفق الباحثون العرب والأجانب أن ابن خلدون قد تعرض إلى نواح وقضايا سكانية بيد أنهم لم يعطوها الأهمية الواسعة إذ أشاروا إليها عرضًا بين تضاعيف كتابتهم حينما حاولوا أن يبحثوا عند علم الاجتماع وفلسفة التاريخ ولكنهم لم يشيروا إلى أنه أول من استخدم علم السكان كمدخل أساسي وضروري في المنهج الذي اتبعه في كتابه علم العمران وبيان أثر السكان في القضايا الاجتماعية بعلمه الجديد العمران.

فقد اهتم ابن خلدون بتوزيع السكان على وجه البسيطة فتكلم عن الأرض وكرويتها وخطوط الطول والعرض فيها وتقسيمها إلى سبعة أقاليم وبيان أي إقليم أعمر بالسكان وأغرى للسكان ودور السكان في اقتضاء الحاجات لما في طباعهم على المعاش"."

وعلى هذا فمتطلبات منهج علم العمران ونسق معالجاته اقتضت من ابن خلدون أن يكتب عن الأرض وشكلها وملاءمتها العيش ثم توضيح كيف يتوزع عليها البشر وما هي دوافع وعوامل هذا التوزيع وأي الأقاليم يحظى بجذب الناس، وأي الإقليم لم يحظ بذلك، كما أن اجتماع الناس ومساكنة بعضهم لبعض يتطلب منهم التعاون والتآلف لاقتضاء الحاجات وتبادل المنافع حتى تقوم المجتمعات وينهض العمران، ويتطور هذا العمران كلما تطورت علاقة المجتمعات البشرية مع ظواهر الحياة ومقوماتها من زراعة وحرف وصناعة وسلطة إلى أن تتحقق وتتأثل الحضارة.

وهكذا فالمقدمة السكانية التي أوردها ابن خلدون ومهد بها إلى علم العمران هي مقدمة متلازمة عضويًا بل هي جزء مدخلي إلى علمه الجديد المبتكر وأساس من أسسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت