1 ـ المقريزي (766 ـ 845 هـ) :
تعتبر كتابات المقريزي في الميدان السكاني مرحلة متطورة وتقترب اقترابًا ملحوظًا من كتابات ابن خلدون وقد يعود ذلك إلى توفر المصادر التي أفاد منها الاثنان كما ترجع أيضًا إلى تأثير التلميذ فقد درس المقريزي على ابن خلدون ولازمه أثناء وجوده في مصر. ويبدأ المقريزي في كتابه الاعتبار في ذكر الخطط والآثار بتحديد المنكشف من الأرض وبيان أن المعمور من الأرض هو القسم الشمالي وإن القسم الجنوبي خراب لا عمران فيه حيث يقول: فأما المنكشف من الأرض مما يلي من خط الاستواء فهو خراب والنصف الآخر الذي يلي الشمال من خط الاستواء فهو الربع العامر وهو المسكون من الأرض. وإذا كان المقريزي قد تبنى آراء الأقدمين في هذا الصدد إلا أنه يبين أسباب تركز السكان في هذا القسم وأرجعه إلى اعتدال الوسط، وامتاز المقريزي عمن سبقه ببيان أماكن التجمع السكاني وتحديد شكله ونمطه على نحو ما يتحدث عنه الجغرافيون المعاصرين ولكن بشكل آخر وبتشبيه لا يخلو من طرافة وابتكار إذ يأخذ عنده التمركز السكاني شكل طائر رأسه الصين وجناحه الأيمن الهند والسند وجناحه الأيسر الخزر وصدره مكة والعراق والشام وذنبه الغرب (أوروبا شمالي أفريقيا) ويتفق مع ما قرره المعاصرون من حيث المناخ في النبات والحيوان. وقد ربط المقريزي بين الوضع المناخي لكل إقليم وبين عدد المدن الكبيرة التي يحتويها الإقليم حيث يستفاد مما كتب أن المدن الكبيرة تتزايد حسب درجة اعتدال الإقليم. فالإقليم الأول يحوي 50 مدينة والإقليم الثاني 54 مدينة والإقليم الثالث 128 مدينة الإقليم الرابع 214 مدينة والإقليم الخامس 200 مدينة والإقليم السادس 90 مدينة والإقليم السابع 22 مدينة.