وآخر إحصاء أحصوا به العرب في الأمصار كان في خلافة هشام بن عبد الملك سنة 105 ـ 127 هـ) ولكن هذه الإحصاءات لم تصل إلينا فقد ضاعت في جملة ما ضاع من آثار بني أمية ولما تولى بنو العباس أهملوا أمر العرب حتى إذا بويع المعتصم بالله سنة 218 هـ بعث إلى عماله في الأمصار أن يسقطوا من دواوينهم العرب ويقطعوا العطاء.
وتزودنا المصادر السريانية بمعلومات متصلة عن إحصاءات أهل الذمة وتبين أن العرب قاموا بأربعة تعدادات ومن أهم من عالجوا هذا الموضوع هو التلمحري (تلمحره ـ موضع في سورية على نهر البليخ(الجزيرة) والتلمحري ت 849 م ولده في تلمحره ـ بطريرك السريان 818 ـ كتب تاريخًا كبيرًا فقد معظمه تناول الفترة بين 582 ـ 842 فاعتمده المؤرخون اللاحقون ولخصوه مرارًا. وميخائيل السوري (ميخائيل الكبير 1126 ـ 119) بطريك اليعاقبة له بالسريانية كتاب الحوليات في تاريخ الكنيسة والشرق وهو مرجع قيم.
ويستفاد مما تقدم أن العرب عرفوا التعداد بنوعيه التعداد السكاني والتعداد الزراعي وإحصاءات الدخل ودونوا ذلك كما طبقوا نظام التسجيل الحيوي وقاموا بالإحصاءات المتخصصة واستخدموا أسلوب العينات في دراسة بعض الظواهر السكانية. ولو بقيت سجلات الإحصاء حتى الآن لو قفنا على صورة مفيدة لتوزيع السكان.
ج ـ تبلور هذا الجانب واستخدامه في فروع المعرفة الأخرى:
لعل ابن خلدون والمقريزي وأحمد بن الدلجي هم من أشهر الذين اهتموا في الجانب السكاني واستخدموه في تأييد مقولاتهم وعلومهم حسب الأهمية والسبق الزمني. وإذا كان التسلسل الزمني يقتضي أن نبدأ أولًا بابن خلدون يليه المقريزي وصولًا لابن الدلجي فإن اتساع جانب ابن خلدون واستخدامه لعلم التوزع السكاني كمدخل ضروري ومنهجي لعلمه الجديد العمران ثم بيانه لأثر السكان في بعض الظواهر وأثر بعض الظواهر في السكان يحملنا على الوقوف وقفة أطول ويجعلنا نقدم المقريزي والدلجي عليه في التسلسل: