ولم يقتصر العرب على القيام بالإحصاءات العامة السكانية والزراعية وإحصاءات الدخل بل قاموا بإحصاءات متخصصة كإحصاء الرهبان الذي تم في زمن عبد العزيز بن مروان وإحصاء المغنين الذي قام به جماعة من بغداد فقد أورد الدكتور زكي مبارك في كتابه النثر الفني عن كتابه حكاية أبي القاسم البغدادي ما نصه"ولعهدي بهذا الحديث سنة ست وثلاثمائة وقد أحصيت أنا وجماعة بالكرخ أربعمائة وستين جارية في الجانبين وعشر حرائر وخمس وسبعين من الصبيان البدور يجمعون من الحسن والخدمة والظرف ما يفوق حدود الوصف هذا سوى ما كنا لا نظفر بهم ولا نصل إليهم لعزتهم وحرسهم ورقبائهم وسوى من كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء والطرب إلا إذا نشط في وقت أو ثمل في حال وخلع العذار في هوى حالفه وأضناه".
ويذكر الجاحظ في كتاب الحيوان ما يفيد أن العرب بدراسة الظواهر السكانية عن طريق العينة فقاموا بدراسة أثر شرب الخمر في طول العمر فيذكر أن جماعة عدوا أربعين فتى من فتيان قريش وثقيف أعذار عام واحد فأحصوا عشرين من قريش وعشرين من ثقيف وتوخوا المتجاورين في المحلة والمتقاربين في الدور من الوفرين على النبيذ والمقصورين على التنادم وأنهم أحصوا مثل ذلك العدد وأشباه ذلك من السن ممن لا يذوق النبيذ ولا يعرف شرابًا إلا الماء فذكروا أنهم وجدوا بعد مرور دهر عامة من يشرب النبيذ حيًا ومن لا يشرب قد مات عامتهم.
وخلاصة ما في الأمر فإن العرب قد قاموا بإحصاءات متعاقبة ودونوها في كل مرة وفي كل ولاية على حدة وأول تدوين في مصر مثلًا دونه عمرو بن العاص ثم دون عبد العزيز ابن مروان (تولى إمارة مصر 65 ـ 86 هـ) ، ثم دون قرة بن شريك (سنة 90 ـ 96 هـ) ، ثم بشر بن صفوان سنة 101 هـ.