أما بالنسبة لأولى الكتابات الاقتصادية المتعلقة بأثر السكان في الأسعار فتعود على ما يبدو إلى القاضي المعتزلي"أبي الحسن بن عبد الجبار بن أحمد الهمداني"المتوفى سنة 415 هـ فقد جاء في كتابه"المغني"تحت عنوان الكلام في الأسعار والرخص والغلاء". أن كثرة السكان التي عبر عنها بكثرة المحتاجين تؤدي إلى الغلاء فيقول ـ أما الغلاء فقد بينا صفته إنما يضاف إليه متى قل الشيء في الأيدي مع الحاجة إليه أو كثرة المحتاجين إليه وإن كان واسعًا."
وفي مطلع القرن السادس الهجري ازدهرت العلوم الجغرافية على يد العرب حيث ترسخت أفكار الخوارزمي وتبلورت على يد جغرافي عربي كبير هو"الشريف الإدريسي"المتوفى سنة 560 هـ الذي ألف كتابًا دعاه نزهة المشتاق في ارتياد الآفاق عالج فيه بعض القضايا الجغرافية المتعلقة بالسكان. وتبعه العالم الأندلسي ابن سعيد الغرناطي الذي قال بوجود تسعة أقاليم مضيفًا على الأقاليم السبعة إقليمًا واحدًا جنوبي خط الاستواء لا يسكن تليه الأقاليم السبعة المعروفة وإقليمًا ثامنًا شمالي الإقليم السابع لا يسكن لشدة برده.
كانت هذه بعض الإلماعات الفكرية التي أشارت بشكل علمي إلى الآثار الجغرافية والبيئية والاقتصادية على بعض الظواهر السكانية وآثار الظواهر المختلفة فيها وقد شكلت هذه الآراء والإلماعات أساسًا علميًا هامًا لمن أتى فيما بعد من العلماء فأفادوا منها وبنوا عليها أفكارهم وابتكاراتهم فيما حصلوا من علوم وأشادوا من مناهج.
ب ـ رصد عملية التوزيع السكاني:
تقوم التعدادات برصد عملية التوزع السكاني ومعرفة حجم السكان. وقد اهتم العرب بعد السكان منذ بدايات الأولى للدولة العربية لسببين رئيسين أحدهما معرفة أعداد العرب وأماكن تواجدهم، حيث جاء ما يؤكد ذلك في حديث مأثور، وثانيهما معرفة عدد سكان البلاد المفتوحة ومواردها ومساحة أراضيها وغلالها وخصائصها سكانها.