وتبرز أول إشارة إلى أثر البيئة في توزيع السكان العرب عند اختيارهم للبيئات الملائمة لتمصير المدن ونفورهم من البيئات غير الملائمة التي لم يعتادوا عليها في صحرائهم أو بلادهم الأصلية.فيروي ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276 هـ نصًا في عيون الأخبار يبين فيه عدم سكنى العرب في المدائن وانتقالهم إلى الكوفة واتخاذها دار إقامة لهم فيقول:"لما اجتوى البلد العرب وآذاهم الغبار والذباب".
كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص أن العرب لا يصلحها إلى ما يصلح الإبل والشاء وقد أشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان ـ وظهر الكوفة يقال له اللسان. فكتب إلى سعد بذلك.
ولم يعالج المسائل السكانية أو يشر إليها بشكل علمي من حيث الربط بين الأثر والمؤثر وبيان العلل والأسباب إلا في القرن الثالث الهجري حيث كانت أولى بداياتها على يد العالم العربي الموسوعي الجاحظ الذي لم يقرر شيئًا إلا بعد تجربته والتثبت من صحته واستنباط قوانينه من ظاهراته فاتخذ لمنهجه شعارًا"وهو ليس يشفيني إلا لتثبت".
وقد ظهرت في كتاب الحيوان للجاحظ أولى الإشارات العلمية إلا أثر البيئة في توزيع السكان وطباعهم وخصائصهم فنجد عددًا من النصوص المتعلقة بهذا الموضوع. فالجاحظ يؤيد ما يذهب إليه عن طريق تعليل الظواهر والصفات المعينة بأثر المناخ والبيئة على الإنسان والحيوان والطباع إذ يقول"ولا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم فيعمل ذلك في طباعهم على الأيام".
كما عمل ذلك في طباع الزنج وطباع الصقالبة، وقد رأينا العرب وكانوا أعرابًا حين نزلوا خراسان كيف انسلخوا من جميع تلك المعاني. وترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل والدواب وجميع ماشيتهم. وترى جراد البقول والرياحين خضرًا وديدانها خضرًا أو نراها في غير ذلك.